أصوات الغراب تنعق من فوق الاشجار، وكأنها تبحث عن الأثارة والمتعة، وهي ترقب الاحداث فوق الاغصان وفوق أسوار المباني الحكومية وعلى أسلاك الكهرباء وأعمدة النور. والموت يغزو المدينة: أشلاء تطير مبعثرة ممزقة، على سفوح الجبال الراسية والمحيطة بالمدينة والغراب ينعق مهللا، في نواح اسود يهيج الوحوش الضارية، حتى غدا الليل السديم موطنها، و الخراب مسكنها .
كانت امي تترك بقايا الطعام للغربان تأكلها، فتتجمع مثل بقع سوداء على سطح بيتنا، لطالما قلت لها إن الغراب طائر شؤم ويجلب النحس على صاحبه، الا أن أمي لاتؤمن بذلك وترى أنها صدقة وعمل يؤجر.
ورغم ذلك لازلت لا افهم كيف استوطنت الغربان عدن ...؟
يقال إن في البدء كان الغراب ..
الغراب كان هو الكلمة ..
ولأجل هذا قال تعالى «فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه».
يقال إن قابيل عند قتل أخيه هابيل، ظل طريدا شريدا فزعا مرعوبا، وظل يحمل جثة أخيه في جراب سنة كاملة، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب الى عدن، حتى بعث الله غراباً ليريه كيف يواري سوأة أخيه، فوكل الله غرابا يحفر حفرة في الارض، ليدفن فيها غرابا ميتا، ليدل قابيل كيف يدفن جثمان أخيه، فقال الله تعالى في سورة المائدة ٣١ (يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي، فاصبح من النادمين ) .
حاول الانجليز في عدن التخلص من الغربان بطريقتهم ، بعد أن وجدوا أن الغربان ظاهرة مزعجة ومقلقة في مدينة عدن، كانت الغربان تتواجد في كل مكان في عدن، على الاشجار وفي الحدائق والمتنزهات والاسواق وأماكن براميل القمامة، وسواحل البحر تأخذ ما يتركه الصيادون من بقايا السمك وما يعلق في الشباك، لا مكان في عدن الا والغربان تحوم فيه، فاطلق الانجليز حملة كبيرة لقتل الغربان، فكان الجنود العرب يخرجون كل يوم ومنذ الصباح الباكر حتى غروب الشمس، وهم يطلقون رصاص بنادقهم على الغربان المزعجة، فوق الاشجار واماكن تجمعهم وعلى شواطئ البحر، تركزت الحملة في مدينة عدن، اما ضواحي عدن وفي المناطق الاخرى، فتكفل المواطنون بذلك، وخاصة من الشباب الصغار في السن كانوا يستخدمون (المزارق) البلاستيكية ويضعون فيها حجرة صغيرة جدا مثل نواة التمر، فتصير الرميه مثل طلقة الرصاص، كثير من الشباب كانوا ينتشرون في الحدائق وحيث تتجمع الغربان فيصطادونها، حتى ظننا أن الغربان ستختفي من عدن، فجأة ودون سابق إنذار وقبل أن تكتمل المهمه توقفت الحملة من دون سبب معلن، واغلب الظن أنه بسبب معارك الثوار مع الانجليز حيث كان الضرب على ثكنات الانجليز، أشغلهم عن الحملة ضد الغربان، وايضا ما كان يحدث بعدها من صراع ونفوذ بين جبهتي التحرير والقومية للسيطرة على عدن فتوقفت الحملة، وعادت الغربان الى أوكارها كما كانت وأكثر، واستوطنت على الاشجار، فكانت تثيرني وتزعجني في كل صباح، من أمام بيتي وفوق الشجرة القريبة من نافذة غرفتي، عندما انام كنت أترك النافذة مفتوحة لدخول الهواء، في الصباح الباكر تكون الغربان مزعجة ومقلقة باصواتها القبيحه فأصحو من منامي قبل طلوع الشمس .. حتى اصبحت عدن مدينة الغربان .
ما قيل عن الغراب أنه غراب البين، لانه بان على النبي نوح، فطلب منه أن يسترشد له مكان الماء الا انه لم يعد.
مايميز الغراب هيئة صوته ولونه الاسود .
قالت العرب من يكن الغراب دليله يمر به على جثث الكلاب .
وقالوا فلان أحذر من الغراب .
واذا أُريد إعجازك قيل «حتى يشيب الغراب» .
