شهدت اليمن خلال المرحلة السابقة تدخلا واسعا من قبل المنظمات الدولية والمحلية والأهلية الخيرية والإغاثية، وذلك نتيجة للحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، والتي بلا شك ساهمت في التخفيف نوعاً ما من حدة الأزمة الإنسانية، والاستجابة الطارئة، من خلال تنفيذ البرامج والمشاريع الإغاثية والطارئة، وبغض النظر عن آلية التنفيذ والموازنات المرصودة والآليات المتبعة لتطبيق الرقابة والمساءلة والمشاركة المجتمعية، وغيرها من العناصر والمحددات المطلوبة لتنفيذ وقياس الأثر للبرامج والمشاريع المُنفذة، مع حرص الحكومة اليمنية الشرعية على تذليل الصعوبات والقيام بتسهيل كافة المهام المطلوبة لتنفيذ تلك المشاريع كواجب واستجابة للأوضاع التي تمر بها البلاد.
لكن بالمقابل، شهدت البلاد أيضا تأخراً ملحوظاً وتدنياً في تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية المركزية والمحلية، وتوقفاً شبه كلي للبرامج والمشاريع الاستثمارية، رغم الإمكانيات النسبية المتاحة، إضافة إلى ضعف الإيرادات وتدني مستوى التحصيل للعديد من الأوعية الإيرادية، وعدم الاستغلال الأمثل لما يُحصّل وتسخيره لما خُصص له وفقاً للقوانين والتشريعات النافذة. كل تلك العوامل وغيرها من الأمور السياسية أصابت الوطن بشلل شبه كلي لن يتعافى منه إلا بوجود (حكومة صارمة) تحمل إرادة قوية وإدارة حكيمة وعزيمة لا تلين، وقيادة تؤمن ببناء الأوطان والنهوض به بدلاً من الاعتماد الكامل وعقد الآمال على عمل المنظمات والمنح المقدمة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا تفي بأدنى متطلبات العمل التنموي الاستراتيجي المطلوب للنهوض بالوطن.
وهناك توجه ملحوظ لتصحيح عمل المنظمات الدولية من قبل وزارة التخطيط والتعاون الدولي، والعمل على تبويب عملها عبر (النافذة الواحدة) لتعزيز التنسيق والتعاون المشترك مع الشركاء الدوليين المانحين، كونها ذات الاختصاص بهذا الجانب. إلا أن هذا لا يعني بأنها النافذة السحرية لحل مشكلة الاقتصاد والتنمية المحلية، كون عمل المنظمات والهبات أدوات مساهمة ومُعاونة لأداء الحكومة العام في تقديم الدعم في العمل الإنساني والإغاثي، وإن وجد في التأهيل والتدريب وبرامج المنظمات المعروفة.
فبناء الأوطان بحاجة إلى بذل جهود جبارة، وفق تكاملية كافة مؤسسات الدولة، والعمل على تنفيذ برنامج الحكومة العام، وتوحيد الرؤى وتنفيذ القرارات الاقتصادية الشاملة وترجمتها على أرض الواقع لا على الأوراق ووسائل التواصل. الأوطان تُبنى بثرواتها وجغرافيتها، بمواردها وايراداتها، بموانئها ومنشآتها وخططها الإستراتيجية، وتفعيل كافة المرافق الخدمية والمنشآت الحيوية، وغيرها من العوامل التي تساعد وتساهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتجويد الأداء التنموي والخدمي المستدام.
بناء الأوطان ليس معجزة أو مستحيلا. فهناك الكثير من البلدان والدول نهضت من تحت ركام الحرب، والفقر والجوع. أوروبا نهضت من بين الأنقاض، واليابان نهضت من تحت الدمار، ورواندا نموذج نهضة بعد إبادة جماعية عام 1994م، والصين تحولت من اقتصاد متدنٍ وفقر مدقع إلى عملاق اقتصادي عالمي، وكوريا الجنوبية، وألمانيا، وغيرها من الدول نهضت بسبب الإيمان والحب للأوطان وخلق أسباب للنهوض والبناء، وتركيزها على التصدير والتعليم، والصناعة والتكنولوجيا، وترجمة الأقوال إلى أفعال دون ضجيج إعلامي.. وهذا ما نتمناه لبلدنا اليمن العظيم.
