كما هي الطبيعة تكره الفراغ، كذلك هو التاريخ يكره أن يرى مكانا فارغا، فلا يمليه أو يتمدد إليه. من سوء الطالع أن عالمنا العربي أصبح من وجهة نظر فلسفية تاريخية من مناطق الفراغ المعروفة في تاريخنا المعاصر، وهذا ما يفسر حالة الفضاء العربي اليوم وقد أصبح ساحة لصراع الأمم، تتنافس فيه على اراضينا وأجوائنا وبحارنا وممراتنا ومقدراتنا وثرواتنا المتنوعة الهائلة ومصائرنا، وقبل ذلك استقلال أقطارنا وقراراتنا السيادية التي تحدد مصائر حاضر ومستقبل شعوبنا وبلداننا.
والسؤال المهم هو: لماذا وكيف حدث كل ذلك؟؟ لأن العرب والعالم العربي بجميع دوله تقريبا بعد أن تنازلت عن قرارها المستقل وحقوقها السيادية وتحولت إلى دول وظيفية لخدمة أمريكا والنظام الغربي، فأصبحت بالنسبة للأمم الحية المعاصرة بمثابة منطقة فراغ التاريخ تتمدد فيه كيفما شاءت. ذلك لأننا كأمة عربية لم نعد نشارك في أي دور في صناعة التاريخ العالمي الذي كنا صانعيه في قرون خلت.
التاريخ تصنعه الأمم الحضارية القوية التي امتلكت قرارها ومشروعها التاريخي.. بينما نحن للأسف لسنا كذلك، لأننا لا نمتلك حاليا مثل ذلك المشروع التاريخي الجامع والمجسد والموحد لمصالح الأمة وتطلعاتها المستقبلية.. رغم أن التاريخ كان كريما معنا، فقد أهدانا أكثر من فرصة ولعل أبرزها فرصتان أهدرناهما تباعا للأسف الشديد، الفرصة الأولى جاءت واقتربت منا كثيرا عندما سقطت الخلافة العثمانية على يد بعض دول الغرب الصليبي الاستعماري (للأسف) بعد الحرب العالمية الأولى... وكنا قبل ذلك قد راكمنا في تلك الفترة ما نسميه في أدبياتنا بفكر النهضة العربية الإسلامية الذي اجترحه الرواد الأوائل في تاريخنا الحديث الذي بشر بالإرهاصات الأولى لبداية ميلاد ونهوض الأمة العربية الحديثة... ولكن تلك الفرصة سرعان ما انقطع مسارها، وأهدرت تلك الفرصة التاريخية الواعدة، لأسباب ذاتية تتعلق بنا وأخرى بسبب المؤامرات الاستعمارية ومقتضيات إقامة مشروع الدولة العبرية الصهيونية الذي أقامه الغرب الاستعماري في قلب الجغرافيا العربية لاعتراض المشروع القومي العربي (الوحدة العربية) من جهة، وليكون قاعدته الاستعمارية الأمامية في المنطقة من جهة أخرى.
ولم يطل بالعرب الزمن طويلا، فما هي إلا سنوات حتى لاحت أمامنا في أواخر النصف الأول وبداية النصف الثاني من القرن الماضي فرصة تاريخية ثانية لتدشين المشروع العربي المعاصر، وقد جاء ذلك في سياق حركات التحرر الوطني العربي والعالمي التي ظهرت أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية ونضالات شعوبنا العربية من أجل التحرر والاستقلال والانعتاق من ربقة التبعية الاستعمارية. وقد افضت تلك الفرصة في مرحلتها المبكرة إلى انبثاق فكر القومية العربية الذي رسم الملامح الأولية للمشروع القومي العربي الحديث، على يد المفكرين القوميين الرواد الذين عملوا في مرحلة لاحقة على إيجاد الآليات الأساسية التنظيمية لتأسيس وإقامة المشروع القومي العربي الوحدوي، وبلورة أهدافه وبرامجه المجسدة لشعاراته السياسية الاستراتيجية الكبرى الجامعة. وتمثل ذلك جليا في تأسيس الأحزاب القومية الكبرى (حزب العربي الاشتراكي) في سوريا والعراق، و(حركة القوميين العرب) في لبنان وفلسطين، و(الحركة الناصرية) بعد ثورة يوليو في مصر بقيادة الزعيم العربي الكبير الراحل جمال عبد الناصر.
هذه الأحزاب جميعها انتهجت نهجا قوميا وحدويا تقدميا جامعا لشعوب الأمة، ومعبرا عن مصالحها وآمالها وعابرا للأقطار العربية، وذلك كرد صارم على تقسيمات “سايكس بيكو” الاستعمارية التآمرية الخبيثة. وقد غدت كل من القاهرة ودمشق وبغداد في تلك الفترة عواصم القرار العربي والمشروع العربي التاريخي بصيغه السياسية والحزبية والحركية الثلاث التي تلتقي كلها عند الشعار المركزي للأمة (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)، والمتمثل في الوحدة العربية بأطروحاتها الثلاث (البعثية والناصرية وحركة القوميين العرب) التي توحدت سياسيا وتنظيميا مع الحركة الناصرية بقيادة الزعيم التاريخي الملهم جمال عبد الناصر.
ثم تقلصت تلك الأطروحات أو الشعارات إلى أطروحتين وشعارين، وهما: (حرية وحدة اشتراكية) شعار البعثيين و(حرية اشتراكية وحدة) شعار الناصريين وحركة القوميين العرب.. ولكن سرعان ما أجهض ذلك الحلم التاريخي حين أهدرت تلك الفرصة التاريخية في العام ١٩٦١م، بعد انقلاب بعض القادة الأشقاء البعثيين في سوريا على أول مشروع وحدوي عربي في عام ١٩٥٨م بين مصر وسوريا بقيادة عبد الناصر، ولم تمضِ على الوحدة السورية المصرية سوى ثلاث سنوات. ويعزو البعض ذلك إلى أسباب سياسية وإيديولوجية وإدارية مركبة، لعل أبرزها تلك الخلافات السياسية والإيديولوجية بين البعث والناصريين حول كيفية تحقيق المشروع القومي العربي الوحدوي والخلافات العربية بين الدول العربية الرجعية المحافظة والدول الثورية التقدمية حينها.
وبفشل أول مشروع وحدوي قومي واعد (هو ما كان يسمى الجمهورية العربية المتحدة) توقفت حركة التطور التاريخي العربي، فتوقفت عندنا منذ ذلك الحين عجلة التاريخ، فأصبحنا نعيش على هامش التاريخ وعالة نقتات على ما تنتجه تواريخ أمم أخرى (...)، وتحت وطأة استمرار تلك الانقسامات والاختلافات بين أحزاب الحركة القومية. ولم نلبث أن تحول الوطن العربي إلى منطقة الفراغ التاريخي التي أصبح الآخرون يتمددون ويمرحون ويتقاتلون فيها.. وصرنا منذاك على هامش التاريخ، بل غثاء وهباء نقتات على ما تجود به علينا تواريخ الأمم الأخرى، وتوابع صغيرة تدور في أفلاك تواريخ أمم أخرى ليست منا ولا نحن منها... ولا عزاء.
