كيف استعادت عدن أنفاسها أيام العيد ؟
العيد في عدن.. ضريبة الفرح المنسية وصراع الوعي بين الأرصفة

- رمال لا تتسع للأقدام.. كيف احتضن بحر عدن زوار المحافظات؟
- فواتير البهجة المنسية.. من ينظف ملامح عدن بعد رحيل زوارها؟
- الشوارع تئن تحت وطأة «مخلفات العيد»

14 أكتوبر/ خاص:
تقرير/ فاطمة رشاد:
مع بزوغ فجر العيد، لم تكن عدن مجرد مدينة تستقبل مناسبة دينية، بل كانت كياناً ينفجر بالحياة... من أزقة «كريتر» العتيقة إلى شوارع «المنصورة» الحديثة، تدفقت الحشود كسيولٍ بشرية تبحث عن فسحة من الأمل. ورغم الزحام الذي خانته أرصفة المشاة، كان البيان الأول لمدينة ترفض الانكسار وتصر على أن «العيد عدني» الهوى والهوية.
لم تكن السواحل (أبين، الغدير، وحقات) مجرد شواطئ، بل تحولت إلى «رئات مفتوحة» تنفس عبرها الآلاف من ضيق الظروف المعيشية، وافترشت العائلات الرمال لترسم لوحة سريالية تداخلت فيها أصوات الأمواج بضحكات الأطفال بملابسهم الزاهية.
ولا ننسى كيف شهدت «المولات» والمراكز التجارية ازدحاماً غير مسبوق؛ حيث تحولت من وجهات للتسوق إلى «متنزهات مكيفة» تحتضن العائلات، لتمتزج أضواء العيد ببريق الفرح في عيون الصغار وهم يطاردون بالوناتهم الملونة بين الممرات المكتظة.
لكن، وخلف هذا المشهد الاحتفالي البديع، برز وجهٌ آخر أثقل كاهل المدينة. فمع كل ضحكة طفل في حديقة، كان هناك «كيس بلاستيكي» يُلقى، وكل جلسة عائلية على الساحل، كانت تترك «خلفها» تلالاً من النفايات والمخلفات التي شوهت ملامح «ثغر اليمن الباسم».
انتشرت المخلفات في الشوارع الرئيسية وبجوار الحدائق العامة، لتحول بعض المزارات إلى ساحات من الفوضى البصرية والبيئية.. إن تكدس النفايات وسط الزحام ليس مجرد تقصير من الجهات المختصة فحسب، بل هو «شرخ في الوعي المجتمعي».
صوت الانبهار والارتباط
تقول أم علي صلاح، الآتية لقضاء إجازة العيد مع أسرتها من محافظة تعز: «العيد في عدن له نكهة لا تجدها في مكان آخر؛ فالبحر هنا هو إنعاش الروح الحقيقي للجميع. قطعنا المسافات الطويلة لنرى هذا الزحام الجميل في سواحل الغدير ونشعر بهواء عدن المنعش. رغم ازدحام المولات وصعوبة الحركة في الشوارع، إلا أن طيبة أهل عدن وترحيبهم يجعلنا نشعر أننا في بيتنا وبين أهلنا.. عدن هي رئة اليمن التي يتنفس بها الجميع في الأعياد».
وتشاركها الحديث وردة محمد، طالبة جامعية، جاءت مع أسرتها من محافظة حضرموت قائلة: «جئنا لنقضي إجازة العيد بين سواحل عدن وحدائقها. الحقيقة أن المدينة تنفجر بالحيوية.. ما يدهشنا هو قدرة عدن على استيعاب كل هذه الآلاف من البشر في وقت واحد، المولات هنا عالم آخر من الأضواء والبهجة، لكننا نتمنى أن نرى اهتماماً أكبر بنظافة هذه المتنفسات، لأن جمال عدن ليس ملكاً لأهلها فقط، بل هو أمانة في أعناقنا جميعاً نحن الزوار والمقيمين».
صوت الاستياء والغيرة على المدينة
سحر جابر (ناشطة مجتمعية من سكان مديرية خور مكسر) قالت: «يؤلمنا جداً أن نرى «ساحل أبين» الذي نعتبره أيقونة عدن، يتحول في ساعات المساء إلى مكب للنفايات البلاستيكية وبقايا الأطعمة. الفرحة لا تعني الفوضى، وما نشاهده من استهتار بنظافة المتنزهات يعكر صفو العيد ويفسد اللوحة الجميلة التي رسمتها الحشود.. جمال عدن أمانة، ورمي النفايات في غير أماكنها هو طعنة في قلب هذا الجمال».
الاهتمام بالنظافة
أسرة محمد سعيد، الذي كان يجمع مخلفات عائلته في كيس خاص، حيث عبرت حرمه عن اهتمام زوجها ببقاء المكان الذي جلس به نظيفا لأجل الآخرين قائلة: «يقول زوجي دائما لا يمكننا انتظار عامل النظافة ليرفع خلفنا كل صغيرة وكبيرة والمدينة مزدحمة بهذا الشكل. العيد الحقيقي هو أن نغرس في أطفالنا قيمة النظافة، فمشهد النفايات المنتشرة في الحدائق والسواحل يعكس صورة لا تليق بنا كشعب حضاري.. نحن هنا لنفرح، والنظافة هي جزء لا يتجزأ من هذا الفرح».
ختاماً
عدن تنتظر «رد الجميل»
انقضت أيام العيد الصاخبة، وبقيت عدن تلملم جراح أرصفتها المليئة بالمخلفات. لقد أثبت العدنيون أنهم شعب يعشق الحياة ويجيد صناعة الفرح من العدم، لكن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذا الفرح إلى «ثقافة استدامة».
ستظل عدن جميلة بزحامها، وعظيمة بصمود أهلها، لكنها تنتظر من «عشاقها» أن يمنحوها في العيد القادم «هدية النظافة»؛ لتكون الفرحة مكتملة، واللوحة خالية من الشوائب.

