في قراءة متأنية للتناول الصحفي للأداء السياسي حيث يُنظر إلى الخطاب السياسي في كثير من الأحيان بوصفه محصورًا في قضايا السلطة، والصراعات الحزبية، والعلاقات الدولية. غير أن هذا الفهم الضيق يغفل أحد أهم تجليات السياسة في الواقع المعاصر، والمتمثل في ملف الخدمات العامة. فالحديث عن الخدمات في التناول الصحفي لا يُعد خروجًا عن المجال السياسي، بل هو في جوهره تعبير عن أكثر مستوياته عمقًا وتأثيرًا، حيث تتقاطع السياسات العامة مع الحياة اليومية للمواطنين.
تُعد الخدمات العامة، مثل الأمن والصحة والتعليم والمياه والطاقة والنقل، نتاجًا مباشرًا للقرارات السياسية وخيارات الدولة الاقتصادية والإدارية. ومن ثم فإن تناولها إعلاميًا وتحليل واقعها يعكس تقييمًا غير مباشر لأداء النظام السياسي وقدرته على تحقيق الاستقرار. فالسياسة لا تُقاس فقط بما تعلنه النخب الحاكمة من برامج وخطط، وإنما بما تحققه فعليًا من نتائج ملموسة في مستوى معيشة الأفراد وجودة حياتهم.
إن الإخفاق في توفير الخدمات الأساسية أو تدهور جودتها لا يمكن اعتباره مسألة تقنية أو إدارية بحتة، بل هو مؤشر على خلل بنيوي في منظومة الحكم، سواء تمثل ذلك في ضعف التخطيط الاستراتيجي، أو سوء إدارة الموارد، أو غياب المساءلة والشفافية. ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث الصحفي عن الخدمات أداة لكشف الفشل السياسي، حتى وإن لم يُطرح بلغة سياسية مباشرة أو خطاب أيديولوجي صريح.
ويبرز مفهوم «السياسة العميقة» في هذا السياق بوصفه إطارًا تفسيريًا لفهم العلاقة بين الدولة والمجتمع. فهذه السياسة لا تتجسد في القرارات السيادية الكبرى فحسب، بل تظهر في قدرة الدولة على ضمان الحد الأدنى من الرفاه الاجتماعي، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، والاستجابة لحاجات المواطنين المتغيرة. وعليه، فإن استقرار الأنظمة السياسية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفاعلية أدائها الخدمي، وليس فقط بقدرتها على ضبط المجال الأمني أو إدارة التوازنات السياسية.
تلعب الصحافة دورًا محوريًا في هذا الإطار، إذ تسهم في إعادة توجيه النقاش العام من القضايا الشكلية إلى القضايا الجوهرية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر. فالصحافة الخدمية، حين تلتزم بالتحليل والعمق، تتحول إلى ممارسة سياسية بامتياز، تقوم بوظيفة الرقابة المجتمعية، وتكشف الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش. كما أنها تسهم في تعزيز الوعي العام بطبيعة العلاقة بين الحقوق الاجتماعية والواجبات السياسية للدولة.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن الفصل بين السياسة والخدمات هو فصلٌ إجرائي لا يعكس حقيقة الواقع. فالخدمات تمثل المعيار العملي لنجاح السياسات العامة، وأي فشل في هذا المجال هو تعبير عن عجز سياسي في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة. ومن هنا، فإن تناول الخدمات في الخطاب الصحفي لا يُعد تهميشًا للسياسة، بل هو إعادة تعريف لها من منظور المواطن واحتياجاته اليومية، وهو ما يمنح هذا التناول أهمية معرفية وسياسية بالغة.
