نبض القلم
كان الفراغ في العصور القديمة محصوراً في طبقة الأغنياء الذين يجنون أرباح تجارتهم وهم قابعون في منازلهم، أما الفقراء فنادراً ما يجدون الوقت ليخلدوا فيه للراحة، لأنهم في عمل دائم، وشغل مستمر، يصلون فيه النهار بالليل.وبدخول الآلة إلى ميدان العمل وجد العمال بعض الوقت ليرتاحوا فيه، فتقلصت ساعات العمل إلى الحد الذي صار فيه العمال في الدول الصناعية الكبرى يعملون خمسة أيام في الأسبوع، وصارت الإجازة الأسبوعية والسنوية حقاً مكتسباً للعامل لا يتنازل عنه.ومع مرور السنين نجد أن مدة العمل اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي في انخفاض مستمر، وظهرت اتجاهات في بعض الدول المتقدمة تدعو إلى التوقف عن العمل العضلي ليحل محله العمل الذهني، الذي لا يحتاج إلى مجهود عضلي بل إلى قدرة ذهنية ومهارة عقلية لإدارة الآلة، أو أداء العمل، وهذا بدوره قد أدى إلى تخفيض ساعات العمل إلى حد كبير.وظهر اتجاه آخر في أوروبا يدعو إلى حذف فترة التوقف التقليدي عن العمل في أثناء الدوام، وهي الفترة التي كان يسمح فيها للموظف أو العامل بتناول وجبة الغداء مع عائلته من أجل أن يتاح للعمال والموظفين مغادرة المصانع والمؤسسات في وقت أبكر، أي بعد الظهر تقريباً.والعمل الأسبوعي عندهم صار لا يزيد عن خمسة أيام في الأسبوع، فأصبحت الإجازة الأسبوعية يومين، كما أن العطلة السنوية أصبحت أطول من ذي قبل.وبما أن ساعات الفراغ قد زادت بالنسبة إلى جميع العاملين تقريباً، فإن السؤال المطروح هو كيف سيقضي العاملون هذا الفراغ؟. وهل سيعرفون كيف يستخدمون فراغهم لمصلحة حياتهم العائلية؟ وهل هم قادرون على الانتفاع من الفراغ لتربية أطفالهم؟ أو الاستفادة منه للتثقيف الذاتي والتسلية معاً؟ أو سيستثمرونه لتحسين أوضاعم المعيشية، أو زيادة دخلهم أو أنهم يستغلونه للقيام بالرحلات والنزهات الترفيهية المفيدة والمسلية؟ أو أنهم سيكونون ضحايا لهذا الفراغ إذا لم يستغل جيداً؟أسئلة كثيرة تطرح لغرض مساعدة العاملين على حسن استغلال فراغهم، واستثمار عطلاتهم السنوية في المفيد من الأعمال والتسلية المربحة.وفي كثير من البلدان تضع الشركات السياحية ووكالات السفر برامج سنوية لزيارة عدد من البلدان أو المدن التاريخية، وتخطط لرحلات سياحية منظمة بأقل تكلفة، وتستخدم كل الوسائل للترويج لتلك الرحلات.وأكثر ما تكون تلك الرحلات في الصيف، خصوصاً بعد أن تغلق المدارس والمعاهد والجامعات أبوابها، ويبقى الطلاب والمدرسون في فراغ.والمجتمعات المعاصرة تعتبر الإجازة الصيفية بالنسبة للطلاب والمدرسين فرصة لتنشيط المؤسسات الثقافية والترفيهية، كالمسارح والنوادي ودور السينما والمكتبات وغيرها.. إلا في بلادنا.والمجتمعات المعاصرة كذلك تستغل الإجازة الصيفية لتنشيط السياحة الداخلية، وإنعاش المرافق السياحية بتبادل الوفود السياحية، إلا في بلادنا.فمتى يا ترى تتحرك المؤسسات الثقافية والترفيهية في بلادنا لاجتذاب الشباب، والاستفادة من الفراغ الذي يعيشونه في الإجازة الصيفية؟ لماذا لا نسمع عن برامج صيفية لتنشيط تلك المؤسسات؟ ولماذا لا يستفاد من الإجازة الصيفية في القيام بأعمال مفيدة للشباب وللوطن؟.. ولماذا لا يستفاد منها في تنظيم برامج ثقافية لتوعية الشباب.[c1]* خطيب جامع الهاشمي بالشيخ عثمان[/c]
