
لم يسهم أحد من الحضارمة بفن السرد في تاريخهم البعيد والقريب بمثل ما أسهم القاص السارد النبيل (صالح سعيد باعامر) بسردياته الزاهية التي أضاء بها سماء ثقافتنا، لحاجتها الشديدة لهذا الضوء وتوطينه في ثقافة وطن لم تترسخ فيه تقاليد السرد بصورته الحديثة.
إن (باعامر) العامر بالسرد والقص أدرك بحدسه الفني وحسه الثقافي ضرورة هذا الجنس الأدبي لأي ثقافة تتطلع إلى الحداثة وتشتهي أن تنفتح على كل أشكال الكتابة والقول، لأن البقاء في حدود التعبير بالشعر والمقامة لا يكفي، ففي التنوع غناء وثراء واستجابة لروح العصر الذي لا تقاس عظمته بسيلان الزمن المتكرر الخالي من التجديد بل بما فيه من تجديد يصنع إبداعاً يرفع من كرامة الإنسان، ويعمّر حياته بالجمال بمعناه القيمي والاجتماعي والثقافي.
وصالح كان روحاً سردية تفهم الجمال على هذا النحو العميق، فعزف على ألحان القيم السامية ولم يشذ عن مسارها، وترجم هذا اللحن في سلوكه مع الآخرين فعاملهم بمعايير الود والمحبة، فهو صافي الوجد والوجدان لا يرضى أن يدوس على جروحهم، ولا يتشفى بسقوطهم، ولا يستغل ضعفهم. فكل من عرفه لم يسمع منه سبة أو شتيمة وعندما يغضب لا يعلن عن غضبه في صورة أحمق يرمي بأحجار الكلمات في وجه خصومه، بل يمتص غضبه ويحوله إلى غضب فني سردي فيبني بأحجار الكلمات تحفا قصصية، وتماثيل سردية قدت من اللغة، مفعمة بالبوح الوجداني والاجتماعي والسياسي ولا تعرف الصمت.
سعى صالح العاشق للبهجة والمقبل على الحياة بقدر ما يستطيع إلى أن يكون صاحب شخصية متكاملة ومتجانسة، فحب الموسيقى والغناء والطرب في حياته الشخصية، وجسد هذا الحب في متنه القصصي والسردي، وجعل شخصياته تحتفي برموز الغناء والطرب الحضرمي والوطني والعربي، ومثّل لها الطرب نبض حياة فتجد هذه الشخصية عنده مولعة بمحمد جمعة خان أو أبوبكر سالم بلفقيه، وأخرى بعبدالحليم حافظ أو محمد عبدالوهاب، وثالثة بمرشد ناجي أو شادي الخليج، ورابعة بفيروز التي تغني بلغة النقاء والصفاء والسماء.
ولا يتردد أحياناً في أن يجعل شخصياته تمرح وتسرح وتغني، وهكذا فعلت قمر عشيقة (سالم المرزوع) في سردية (إنه البحر)، فقد غنت له أغاني لمحمد جمعة والفنانة الشعبية نصيرة. وحبه للرقص وأهازيج البحر وأراجيزه لا يقل عن حبه للطرب، بل ربما يتفوق عليه، ومن شدة ولعه بالرقص سمى إحدى قصصه (رقص على ضوء القمر). فالرقص عنده لا يمثل فرح الجسد بل بهجة للسرد ووسيلة انتصار للجمال على القبح الاجتماعي والسياسي.
ناضل صالح من أجل هذه الغاية فامتطى لها جواد السياسة فتعثر به كثيراً ولم يسعفه، فاستبدله بجواد السرد فراق له ولم يترجل عنه إلى آخر أيام حياته. وربما ينسى القارئ صورة المناضل السياسي صالح، لكنه لن ينسى أبدا المبدع السردي صالح، ومثل هذا الزعم يصرّح به من يبصق على السياسة.. وبغض النظر عن هذا الزعم، فإن تجربة صالح السردية لا يمكن فصلها عن تجربته السياسية، ولا يمكن فهم الأولى من دون ربطها بالثانية، ومثل هذا القول الحصيف سمعته من صديقي الدكتور (عبدالله حسين البار).
لقد حرص صالح على تصوير تجربته السياسية في بعض قصص (حلم الأم يمنى) مثل قصة أوراق، وفي سردية (المكلا) و(الغمزات الضوئية)، وأخيراً في (ملكة الناصر) التي صرح فيها على لسان ناصر الناصر بما يتضمن من نقد لطريقة النضال القديمة التي (لا تحمل مضموناً فكرياً) بل شعارات طنانة، ثم تقول الشخصية نفسها كنا مكبلين لا مبادرين والأيديولوجيا خربتنا.
وفي سردية (الغمزات الضوئية) وقبلها سردية (المكلا)، يسرد صالح تجربته السياسية بحرقة وأسى، ويكشف عن خراب هذه الأيديولوجية لمن حملها، فهي خربت رفاقه ودمرتهم بعد أن أصبحت لهم قرون صنعتها لهم فتناطحوا بوساطتها في زرائب السلطة إلى درجة الموت، ولم يمنعهم النضال والرفقة المشتركة، وتغلبت عليهم غريزة حب السلطة على حب الحكمة السياسية، وحل الجفاء السياسي بدلا عن الوفاء الإنساني، وتأمل السجين صالح حالته العصيبة في سجن المنورة بالمكلا، واستدعت ذاكرته الجريحة أغنية فيروز، وعمل لها إسقاطا نفسيا على رفاقه حينما التقط سمعه صوتها في الصباح الباكر من إذاعة عدن في برنامج “صباح الخير” تشدو:(الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية... إلى أن تقول: إيدي بإيدك يا بو صلاح خلي اتكالك على الفتاح).
ثم استدعى صالح من ذلك الزمن أيام الصفاء بين سالمين وأبو صلاح، حينما كان سالمين يقدم أبو صلاح على نفسه أمام الجماهير ويهتف (بو صلاح اليوم علم رفاقك) وتردد الجماهير معه. ولكن شعارات الرفاق لها منطقها الخادع المريح، وسياسة الرفاق في الحزب لها منطقها القاتل القبيح. ونال صالح الإنسان الوديع نصيبه من هذه القباحة.
وبمناسبة ذكر القبح والقباحة، فواقعنا اليوم يعج بكل صورها، وصالح - رحمة الله عليه - كان يقرف من القباحة، وبخاصة قباحة شخصية الانتهازي سواء في صورته الاجتماعية أو السياسية، وصور هذا القرف في قصة (جميلة) المحسوبة على المجموعة القصصية (حلم الأم يمنى)، ومثّلها صالح حسين الذي دمر جميلة ولم يتركها إلا جثة هامدة، وشخصية الانتهازي السياسي (سعيد) في سردية (المكلا) الذي يعمل بالمباحث وصديق لصالح. لكن سعيد ليس له من اسمه نصيب، فهو وسخ بوساخة السياسة نفسها ويتلون مع تلون السلطة، ومثله مثل تاكسي الأجرة تستطيع أي سلطة أن تستأجره، وهو لا يؤمن بالمساواة بين الرفاق ويطرب للتراتبية ويتأفف من البحرة ويمقتهم، ويسعد بالطلوع على أكتاف الآخرين.
وصالح الذي يمقت الانتهازية كان وفياً لأصدقائه، وكشفت التجربة المريرة التي عاشها في السجن عن شخصية صُلبة لا كما تبدو في ظاهرها، ورصد هذه الصلابة وجدارة الوفاء لأصدقائه صديقه الذي عاشره طويلاً الدكتور عبدالله حسين البار في مقال بعنوان (صالح سعيد باعامر... من دهاليز السياسة الى مقاصير الإبداع أو صداقة خمسين عاماً). وهذا الوفاء للأصدقاء امتد للوفاء للأمكنة، فصالح ينسج علاقات حميمية بها، والنموذج الباهر لهذه الحميمية سردية (الغمزات الضوئية)، ففيها حفاوة بالوطن الحبيب الكويت، إذ احتفى بشوارعه وفنادقه وباستديوهات أغانيه وبصباياه الجميلات وتسريحات الشعر المتبعة بحسب الموضة وبفساتينهن الفاتنة، بل واحتفى بلهجة الكويت (خر عني خر) و(النفنوف) و(استكانة الشاي) و(الطوز)، واحتفى بكل أصدقائه من قصيعر، بل وكل من تعرف عليهم عندما كان في الكويت في الستينيات بمن فيهم المحسوبون على حركة القوميين العرب، وهم من الأسماء الكبيرة مثل (ناجي العلي، محسن إبراهيم وحسن غسان، وغيرهم).
ومن حبه للكويت راودته نفسه أن يبقى فيها، لكنه تغلب على هذه المراودة وعاد للوطن. سنكتشف مع الأيام أهمية كتابات سعيد صالح باعامر السردية، وسوف تتحول إلى مصدر من مصادر وعينا وسنعود إليه على الدوام كلما تعثرنا في الحياة.
لقد زيّن باعامر ثقافتنا ببهاء سردياته. أما ما كتبته عن صالح (حلم الأم يمنى ما لها وما عليها) فهو لا يتجاوز حدود الانطباعات العابرة، ولا يحسب على النقد السردي لأنه لا يحتكم لمبادئ وأصول السرد، ولكني كتبت عنه فيما بعد بطريقة مختلفة متمثلا ومستوعباً مقولة ابن عربي الجميلة (الاعوجاج في القوس عين الاستقامة).
