لم تكن هذه الفسيفساء مجرد توصيف ثقافي، بل امتدت لتصبح واقعًا اجتماعيًا وقانونيًا يُستوعب ضمن الإطار الوطني بعد استقلال جنوب اليمن، حيث مُنحت الجنسية اليمنية لآلاف المقيمين الذين استقروا في عدن لسنوات طويلة، واندمجوا في نسيجها الاجتماعي. وبموجب القوانين المعمول بها حينها، أصبح هؤلاء مواطنين كاملي الحقوق، يحملون الوثائق الرسمية من بطاقات شخصية وجوازات سفر وأوراق ثبوتية متنوعة، ويشاركون في الحياة العامة دون تمييز أو تفرقة، ما شكل قاعدة متينة للانتماء المدني في المدينة.
غير أن الإشكالية التي تواجه بعض هؤلاء المواطنين اليوم، أو أبنائهم وأحفادهم، تتمثل في صعوبة تجديد بطاقاتهم الشخصية أو استكمال أوراقهم الثبوتية، حيث تُثار شبهات حول “يمنيتهم” وتُطرح تساؤلات عن أصولهم، في مشهد يعيد فتح ملفات كان يُفترض أنها أغلقت قانونيًا منذ عقود. ولتشخيص هذه الظاهرة بدقة، لا بد من الإشارة إلى منشأ بعض الحالات، وهو أمر ضروري لفهم طبيعة الخلل الإداري والاجتماعي الذي نشأ.
أولاً، هناك حالات تعود أصولها إلى أسر قدمت من الهند أو الصومال أو إثيوبيا خلال الحقبة الاستعمارية، واستقرت للعمل في الموانئ أو التجارة أو الإدارة. هذه الأسر، التي لعبت أدوارًا اقتصادية واجتماعية حيوية، حصلت على وثائق إقامة ثم على الجنسية بعد الاستقلال، غير أن بعض أفرادها اليوم يفتقرون إلى أرشيف موثق بسبب ضياع السجلات أو ضعف التوثيق في مراحل سابقة، ما يجعلهم عرضة للتشكيك عند التعامل مع الأجهزة الإدارية الحديثة.
ثانيًا، هناك أسر عربية من أصول حضرمية أو تهامية، أو من مناطق خارج اليمن، استقرت في عدن قبل الاستقلال واندمجت كليًا في المجتمع، لكنها لم تحتفظ بسلاسل نسب موثقة وفق المعايير البيروقراطية المعاصرة، ومع تعقّد الإجراءات الإدارية، أصبح إثبات الاستمرارية القانونية للجنسية تحديًا، رغم وضوح الاندماج الاجتماعي والمعيشي المستمر.
ثالثًا، تبرز حالات ناتجة عن التحولات السياسية والمؤسسية التي شهدتها البلاد، خصوصًا بعد حرب صيف 1994 في اليمن، حين أعيدت هيكلة المؤسسات وتعرضت السجلات المدنية للتلف أو الضياع، ما أدى إلى فجوات في البيانات الرسمية. هذه الفجوات تُستدعى أحيانًا لتبرير رفض تجديد الوثائق، رغم أن المسؤولية عن هذا الخلل لا تقع على عاتق الأفراد.
رابعًا، لا يمكن إغفال البعد الإداري البحت، حيث يؤدي غياب معايير موحدة، أو ضعف التدريب، أو الاجتهادات الشخصية لبعض الموظفين، إلى قرارات متباينة في حالات متشابهة، وفي ظل غياب قاعدة بيانات مركزية متكاملة، يصبح التقدير الفردي عاملًا حاسمًا، ما يفتح الباب أمام التعسف أو الخطأ الإداري.
إن هذه الحالات، على اختلاف منشئها، تشترك في حقيقة أساسية: أن أصحابها ليسوا “غرباء” على عدن، بل هم جزء من نسيجها التاريخي والاجتماعي. لقد وُلد كثير منهم في المدينة، وتعلموا في مدارسها، وأسهموا في اقتصادها، ولهم فيها أبناء وأحفاد، ما يجعل التعامل معهم بمنطق الشك انتهاكًا لحقوقهم الفردية، ومساسًا بالترابط الاجتماعي الذي قامت عليه المدينة.
من الناحية القانونية، يظل المبدأ الحاكم هو استقرار الوضع القانوني للمواطن، فالجنسية، متى ما مُنحت وفق القانون، لا يجوز إعادة النظر فيها إلا عبر مسار قضائي واضح يضمن حق الدفاع ويستند إلى أدلة قاطعة. أما تحويل إجراءات تجديد البطاقة الشخصية أو الأوراق الثبوتية إلى منصة لإعادة تقييم الانتماء، فهو خلط بين ما هو إداري وما هو سيادي، ويُعد انتهاكًا لمبدأ سيادة القانون.
ومن المنظور السياسي والاجتماعي، فإن الإصرار على إعادة تعريف “اليمني” بمعايير إقصائية، يُنذر بإعادة إنتاج توترات هوياتية، ويقوّض الثقة بين المواطن والدولة. فالدولة الحديثة لا تُبنى على أساس نقاء الأصل، بل على أساس التعدد المنظم، حيث تُدار الاختلافات ضمن إطار قانوني جامع، لا عبر استبعادها.
إن عدن، بتاريخها الكوزموبوليتاني، تقدم نموذجًا يمكن البناء عليه، لا هدمه، فهي مدينة أثبتت عبر الزمن أن التعدد يمكن أن يكون مصدر قوة، وأن الانتماء يتأسس على المشاركة الفعلية في الحياة العامة لا على معايير جامدة. ومن هنا، فإن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مقاربة شاملة: تبدأ بتصحيح الاختلالات الإدارية، وتمر بإعادة توثيق السجلات، وتنتهي بإعادة تأكيد مفهوم المواطنة بوصفه عقدًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يقبل الانتقاص.
في الختام، إن الدفاع عن حقوق أبناء المجتمع العدني المتعدد الثقافات ليس مجرد مطلب فئوي، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على احترام تاريخها وصون تنوعها، وضمان التزامها الثابت بمبادئ القانون. وأي إخفاق في هذا الاختبار لن ينعكس على هؤلاء الأفراد فحسب، بل سيؤثر أيضًا على صورة الدولة ومصداقيتها، وعلى قدرتها في بناء مستقبل يرتكز على العدالة والاندماج الاجتماعي، لا على الشك والإقصاء.
