لكن ماذا يحدث حين يمرض أحد أعضاء هذا الكائن الحي؟
المرض هنا ليس جسديًا فقط. قد يكون قلقًا ينهش صدر أبٍ أنهكته البطالة، أو اكتئابًا صامتًا في قلب أمٍّ تحمل فوق طاقتها، أو انحرافًا سلوكيًا لطفلٍ يبحث عن احتواءٍ لم يجده. حين يمرض فردٌ واحد، لا يبقى الألم محصورًا فيه. ينتقل كتيارٍ خفيٍّ إلى بقية الأعضاء. يختلّ التوازن، ويضعف الإحساس بالأمان، ويتحوّل البيت من مساحة سكينة إلى ساحة توترٍ مكتوم.
الأسرة كالجسد؛ إذا اشتكى عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. فإذا تجاهلنا الألم، تفاقم. وإذا أنكرناه، تجذّر. وإذا تعاملنا معه بقسوة، ازداد عمقًا. أما إذا اقتربنا منه بوعيٍ ورحمة، تحوّل المرض إلى فرصةٍ للنضج، والجرح إلى بابٍ للتعافي الجماعي.
في اليمن اليوم، تعيش كثير من الأسر تحت ضغطٍ مستمر: نزاعات، نزوح، ضيق في الرزق، انقطاع في الخدمات، تعليمٌ متقطع، ومجتمعٌ يرزح تحت وطأة الاستقطاب. كل ذلك يضع الأسرة أمام اختبارٍ عسير: هل تنغلق على خوفها؟ أم تتحوّل إلى منبع قوةٍ أخلاقية تعيد إنتاج الأمل؟
حين يمرض أحد أفراد الأسرة، قد يظهر المرض في صورة غضبٍ دائم، أو صمتٍ طويل، أو عنادٍ مبالغ فيه. وغالبًا ما يُفهم هذا السلوك على أنه مشكلة يجب قمعها، لا رسالة يجب الإصغاء إليها. لكن الوعي الأسري يدعونا إلى النظر أعمق: ما الذي يقوله الألم؟ ما الاحتياج غير الملبّى؟ ما القيمة التي تآكلت وتحتاج إلى إحياء؟
وإذا كانت الأسرة كائنًا حيًا، فإن المجتمع هو الجسد الأكبر الذي تنتمي إليه. فإذا مرضت الأسرة، أُصيب المجتمع بضعفٍ في خلاياه الأساسية. تنتشر العدوانية، يتراجع التسامح، يضعف الشعور بالمسؤولية المشتركة. الطفل الذي ينشأ في بيتٍ يفتقر إلى الحوار، سيصعب عليه أن يبني حوارًا في المدرسة. والشاب الذي لم يتعلم في أسرته معنى التشاور والاحترام، سيحملهما إلى الفضاء العام مشوَّهين.
وهنا تتضح العلاقة العضوية: فالمجتمع كائنٌ حيٌّ والأسرة هي عضوٌ أساسي فيه، وإن اعتلت الأسر تراجع الجسد كله، وإذا تعافت انتعش المجتمع بأسره.
لكن كيف نعالج المرض حين يظهر؟
الحلول ليست معقّدة، وإن كانت تحتاج إلى صدقٍ واستمرارية: كجلسة أسبوعية للأسرة، أو اجتماع بسيط، ولو لساعة، يجلس فيه الجميع دون هواتف، يتحاورون بهدوء: ما الذي أسعدنا هذا الأسبوع؟ ما الذي أزعجنا؟ ما الذي نحتاج إلى تحسينه؟ هذا الفعل الصغير يخلق مساحة أمانٍ تمنع تراكم الألم.
وأيضاً تعزيز ثقافة الاعتذار داخل البيت. فحين يخطئ الأب أو الأم ويعتذر، يتعلم الأبناء أن الكرامة لا تُنقصها المراجعة، بل يزيدها الصدق. الاعتذار يعيد التوازن للكائن الحي قبل أن يتفاقم الجرح.
كما أن توزيع الأدوار بعدلٍ وتقدير تضاعف التماسك الأسري، فالإرهاق المزمن أحد أمراض الأسرة الصامتة. أما حين تتقاسم الأعباء، يشعر كل فرد بقيمته، ويخفّ الضغط الذي قد يتحوّل إلى توترٍ دائم.
وأهم جانب هو خدمة المجتمع معًا. كزيارة مريض، مساعدة جار، تنظيف حيٍّ، دعم طالبٍ محتاج. حين تخرج الأسرة من ذاتها لتخدم تتعافى داخليًا. الخدمة تغذي الروح وتحرّر القلب من الانغلاق، وتربط الأسرة بالجسد الأكبر: المجتمع.
وعلينا أن لا نغفل عن أهمية إحياء القيم في الحديث اليومي. كالعدل، الرحمة، الصدق، الأمانة، احترام الاختلاف. ليست شعارات، بل ممارسة يومية في تفاصيل صغيرة. القيم هي الجهاز المناعي للكائن الأسري؛ إذا قويت، قاومت الأمراض الأخلاقية.
في اليمن، حيث تعب الجسد الجمعي من طول المعاناة، ربما يكون الطريق إلى الشفاء أقلّ تعقيدًا مما نظن: أن نبدأ من الأسرة، من القلب الصغير الذي يخفق في كل بيت. فإذا صلح القلب صلح الجسد كله.
الأسرة كائنٌ حيّ، إن رعينا صحته بالوعي والرحمة والتشاور والخدمة صارت مصدر نورٍ يتجاوز جدران البيت، ويغذي المجتمع بطاقة حياةٍ جديدة. وإن أهملناها انعكس المرض فينا جميعًا. فلنحرس هذا الكائن الحيّ بحبٍّ واعٍ، لأن فيه يبدأ تعافي الوطن.
ودمتم سالمين.
