تشير التقديرات إلى أن ما يزيد على تسعة عشر مليون يمني (بحسب خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي) يعيشون تحت خط الفقر، وهو رقم يعكس عمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تمر بها البلاد. ووفقًا للمعايير الدولية، فإن خط الفقر المدقع يُحدد عند نحو 2.15 دولار (للفرد في اليوم)، وأن أسرة من 5 أفراد تحتاج لما يصل إلى 580،000 ريال كدخل شهري، لتبقى (فقط) تحت خط الفقر. ما يعني أن من يعيشون بأقل من هذا الدخل يعجزون عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، من غذاء وصحة وسكن. وفي ظل التضخم وارتفاع الأسعار، تتآكل أي زيادة طفيفة في الدخل سريعًا، لتبقى شريحة واسعة من المجتمع في دائرة العوز والحرمان.
ولا يقتصر الفقر على انخفاض مستوى الدخل فحسب، بل يمتد ليصبح فقرًا متعدد الأبعاد يشمل ضعف فرص التعليم، وتراجع الخدمات الصحية، وغياب الحماية الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب. ومع اتساع رقعة الاحتياج، تتزايد الضغوط على الأسر التي تكافح يوميًا لتأمين لقمة العيش، فيما ينعكس ذلك على الأطفال من خلال التسرب من التعليم والانخراط المبكر في سوق العمل.
إن الحديث عن التنمية أو الإصلاح لا يمكن أن ينفصل عن معالجة هذا الواقع المؤلم. فحين تكون هناك أفواه جائعة، تصبح الأولوية لتأمين الغذاء والدواء وفرص العمل، قبل أي اعتبارات أخرى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توجيه الجهود نحو إنعاش الاقتصاد، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، إلى جانب الاستثمار في التعليم باعتباره المدخل الأهم لكسر حلقة الفقر.
إن مواجهة الفقر ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية تتطلب تكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشركاء الدوليين. فبإرادة جادة وتخطيط سليم يمكن تحويل هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو إصلاح اقتصادي حقيقي يضع الإنسان في صدارة الأولويات.
فالمعركة اليوم ليست مجرد أرقام في تقارير، بل هي معركة كرامة وإنسان، معركة تستدعي أن يكون الإنسان أولًا، وأن تُوجَّه السياسات والبرامج نحو حماية الفئات الأشد احتياجًا، وبناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا للجميع.
