حين يهلّ شهر ربيع الأول من كل عام ، شهر المولد النبوي الشريف ، تتدفق الأنوار في قلوب المحبين وتتنفس الأرواح كما تتفتح الأزهار عند أول إشراقة شمس.
ومن ترنيمة النور إلى سيرة الرسول تبدأ مجالس الاحتفاء بالمولد النبوي بلحن روحي لا يعزف على أوتار إنما على قلوب تفيض حباً واشتياقاً للنبي الكريم محمد ﷺ. هناك تُتلى المدائح بما يليق بجلال المقام فتغدو القصائد نورانية تُنشد على خيوط القلوب وتتحول المجالس العامرة بالصلاة على الحبيب المصطفى إلى واحات نور في صحراء الحياة. ثم تعود القلوب إلى لحظة الميلاد الأولى حين غمرت الأنوار الدنيا بمجيء سيد الخلق. كأنهم يقفون على مشارف المدينة المنورة يستشرفون النور القادم حيث يتلاقى الماضي بالحاضر في لحظة وجدانية لا تُنسى ، فتردد مجالس اليوم صدى ماضي الأهازيج «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع» وكأن الزمان بهذا النشيد يفتح أبوابه والأرواح تتأهب والأنوار تتدفق في فضاء الوجود استعداداً لاستقبال الضيف الأعظم ﷺ.
ثم تبدأ الفصول الروحية: افتتاح بآيات القرآن الكريم التي ذُكرت في شرف الحبيب ، تُتلى بوقار يملأ المكان فيشعر السامعون أن الملائكة تُشاركهم التلاوة وأن القلوب تُغسل بماء الطهر القرآني. يلي ذلك فصل التوحيد والثناء على الله ثم ذكر صفات النبي ومناقبه على ألسنة الأنبياء والمرسلين كأنهم يُبشرون بقدومه ويُعلنون أن النور الذي انتظره العالم قد أزف ظهوره. كما تُروى إرهاصات الميلاد ، إشارات في السماء والأرض حتى تأتي ساعة المولد الشريف فيرتفع الهتاف: «يا نبي سلام عليك ، يا رسول سلام عليك ، يا حبيب سلام عليك، صلوات الله عليك». في هذا المشهد المهيب بحضور رجال نورانيين ، تذوب الأرواح في بحر المحبة المحمدية وتغدو المجالس تجديداً للعهد وكتابةً لصفحات جديدة من الحب والوفاء. هواءٌ نوراني يملأ المكان ودعواتهم تتصاعد بفيضٍ من التضرع والابتهال، يتوسلون الخالق العظيم زيارة رسول الله عاماً بعد عام شوقاً إلى النبي الكريم ﷺ ورجاءً في حسن الختام. كأنهم يستمطرون السماء في صلاة الاستسقاء ليغتسلوا بأنوار سيرته الشريفة.
وتتواصل الفصول في أخبار رضاعته ، طفولته ، نشأته ، شبابه ، بعثته ، غزواته ، كأنها رحلة نورانية تُعيد رسم ملامح السيرة في قلوب السامعين. ثم يأتي الفصل الأخير في شمائل النبي ، صفاته الخَلقية والخُلقية حتى يشعر القارئ أنه أمام لوحة إلهية رسمها الرحمن بمداد الكمال.
وقبل أن يُسدل ستار المناسبة يُنشد أحد طلاب العلم قصيدة فردية في مدح الحبيب كأنها نفحة خاصة تُسكب في الأرواح ثم يُرفع الدعاء للمؤمنين والمؤمنات المسلمين والمسلمات لتُختتم المجالس بفيضٍ من التضرع والابتهال في صورة وجدانية لا تُشبه سواها.
