لعقود ونحن نحتفل بقتل القمح.
نستلمه حبة كاملة فيها كل الحياة، ثم ننزع منه الردة وجنين القمح والفيتامينات والمعادن، ونبيض الباقي ونسميه “فاخراً”. النتيجة؟ خبز هش يرفع السكر ولا يشبع، وأجسام تتضور جوعاً رغم أنها تأكل ثلاث مرات في اليوم.
اليوم في العاصمة المؤقتة عدن قيلت الكلمة.
عقد اجتماع حكومي بحضور مسؤولين من وزارات الصناعة والصحة والزراعة والإعلام والمواصفات. وفيه قال نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان الوالي: “الدقيق ركيزة أساسية في الأمن الغذائي”. لم يكن يقصد كيس دقيق. كان يعلن أننا سنبدأ نتعامل مع الرغيف كقضية دولة وصحة وسيادة.
العالم صحا من هذه الغيبوبة. منظمات الصحة وخبراء التغذية والمستهلكون في أوروبا وأمريكا بدؤوا يسألون: لماذا نسلب القمح كل قيمته ثم نأكله؟ وها هي “الردة” و”جنين القمح” تعودان إلى الواجهة باعتبارهما كنزاً غذائياً. ما ناقشه اجتماع عدن امتداد مباشر لهذه المراجعة. لم يعد الحديث عن “توفير دقيق” فقط، بل عن “تطوير دقيق محلي أعلى قيمة غذائية”. وهذا تحول مفاهيمي طال انتظاره.
الاجتماع وضع يده على الوجع الحقيقي. انتقلنا من سؤال “هل الدقيق موجود وبكم؟” إلى سؤال أخطر: “هل الدقيق الذي نأكله يغذينا أم يمرضنا؟” جرى الربط بين الدقيق المحلي والحد من فقر الدم وسوء التغذية، وحُسب الوفر الكمي الذي سيخفض كلفة إنتاج الخبز، أي حماية مباشرة لجيب المواطن. كما تمت مناقشة إنشاء صوامع ومستودعات في المحافظات المحررة بالشراكة مع القطاع الخاص، وهو اعتراف بأن “تخزين القمح” جزء من السيادة الوطنية مثل تخزين النفط.
أهم ما في تصريحات الوالي كانت كلمة “شراكة حقيقية”. فالدولة وحدها لا تستطيع، والقطاع الخاص وحده لا يثق. وتم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة من الجهات المذكورة، مهمتها إعادة كتابة “مواصفة الدقيق اليمني”. أن نقول للمطاحن بوضوح: نريد دقيقاً أقل تكريراً وأكثر فائدة. هذا ما تفعله دول كثيرة اليوم تحت مسمى “الدقيق الكامل”.
لكن التحدي الأكبر لن يكون في المختبرات ولا في المواصفات. التحدي سيكون في عقول الناس. عقود من التعود على الخبز الأبيض صنعت ذائقة، وصار “الأسمر” في أذهان البعض خبز فقر. لذلك كان لافتاً تكليف وزارة الإعلام بوضع خطة توعوية، وهنا يبرز دور الإعلام الذي استعرض ملامحه محمد باشراحيل رئيس مجلس إدارة مؤسسة 14 أكتوبر للصحافة والطباعة والنشر. المعركة القادمة هي معركة رواية: كيف نقنع الأم أن الخبز “الأسمر” ليس خبز فقر بل خبز صحة؟ وكيف نقنع المخبز أن الزبون سيدفع ريالين زيادة لأجل صحة أولاده إذا فهم الفرق؟
أعجبتني جملة نائب الوزير: “مسؤولية الجميع”. وهي كذلك فعلاً. مسؤولية الدولة أن تشرع وتحمي، ومسؤولية القطاع الخاص أن يستثمر في الجودة لا في الربح السريع، ومسؤوليتنا كإعلاميين ومواطنين أن نغير ثقافتنا الغذائية ونطالب بالأفضل.
ما حدث اليوم في عدن ليس مجرد اجتماع. هو إعلان نية للانتقال من استيراد “سعرات” إلى إنتاج “غذاء”، ومن الأمن الكمي إلى الأمن النوعي. الفرصة أمامنا أن نقفز مباشرة إلى المرحلة التالية، ولا نعيد إنتاج أخطاء 50 سنة من التكرير المفرط. أن ندخل على “الدقيق الذكي”: متوفر، آمن، مُغذٍ، ومحلي.
المطلوب اليوم ليس فقط “رغيف”. المطلوب “رغيف بكرامة”، رغيف يغذي ولا يمرض، رغيف يبني أجسام أطفالنا لا يهدمها.
الاجتماع قال نعم للتغيير. والشارع هو من سيجيب: هل نحن جاهزون لهذه النقلة؟
العالم دفن الدقيق الأبيض من زمان.
والسؤال في عدن اليوم: هل نحن مستعدون لحمل الفأس؟
