ما تتعرض له مدينة المخا، إحدى مديريات محافظة تعز، من هجمات بربرية من قبل المليشيات الحوثية، وتكثيف الضربات واستهدافها للمواقع العسكرية والمدنية والميناء، والطاقة، والخدمات الأساسية لأبناء المدينة، ليس إلا حالة هلع وفزع تعيشها المليشيات الحوثية، نتيجة الملاحم الأسطورية والعمليات الفدائية التي يقوم بها قوات الجيش ممثلة بحُراس الجمهورية والمقاومة الشعبية، المسيطرة على المدينة، تجاه ثكناتها المسلحة ومواقعها العسكرية المحاذية للمدينة، إضافة إلى ما تكتسبه مدينة المخا من أهمية استراتيجية ولوجستية أمنية، وقربها من باب المندب والممرات البحرية الدولية، وهذا ما يجعل المليشيات تعيش حالة التخبط والهوس كونها ستفقد الدعم والإسناد الذي كان يأتي إليها عبر هذا الخط الملاحي وصولاً إلى ميناء الحديدة.
فالمخا ليست مجرد مدينة ساحلية تتكئ على شاطئ البحر الأحمر، ولا مجرد مديرية من مديريات محافظة تعز، بل جزء رئيسي من جسد واحد للوطن الكبير، إنها الموقع الجغرافي الهام في خارطة اليمن، والخازنة للطبيعة والتاريخ والجغرافيا السياسية والاقتصاد البحري. تقف عند تخوم أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتطل على فضاء بحري يتصل مباشرة بباب المندب، بوابة البحر الأحمر، إلى المحيط الهندي، وممر التجارة الدولية بين الشرق والغرب.
ومن هنا، فإن ما تتعرض له مدينة المخا من هجمات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تصعيد عسكري عابر، بل اعتداء على مدينة ذات أهمية استراتيجية، وعلى مقومات الحياة المدنية، وعلى شريان من شرايين الأمن البحري والاقتصاد الوطني.
فالميناء، والموقع الساحلي، والقرب من الممرات البحرية الدولية، وتداخل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والعسكرية، كلها عوامل تجعل المخا جزءاً من معادلة تتجاوز حدودها الإدارية، إذ إن أمنها واستقرارها يرتبطان بأمن المنطقة بشكل عام، وبسلامة الملاحة البحرية، وبحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.
ولهذا، فإن التصعيد والهجمات المتكررة للحوثيين قد تُقرأ في سياق الحسابات العسكرية للجبهات، ومحاولة الضغط على القوات المرابطة في الساحل الغربي، وإرباك المشهد الأمني والعسكري في منطقة تتمتع بأهمية استراتيجية.
لكن من المهم ألا تتحول التحليلات الإعلامية إلى أحكام قطعية بشأن دوافع الطرف الآخر أو ما يجري خلف الكواليس. فالحروب لا تُدار دائماً بما يظهر في المشهد الإعلامي، وإنما تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية.
ومن ثم فإن السؤال الأهم ليس لماذا تكثيف الاستهداف لمدينة المخا وتخفيفه أو توقيفه في جبهات أخرى؟ وإنما كيف يمكن تحويل أهمية المخا وموقعها الاستراتيجي إلى عنصر قوة في معركة استعادة الدولة وحماية المصالح الوطنية، من خلال إدارة الجبهات وتكاملها ضمن أهدف وطنية موحدة؟ وليس التعامل مع كل جبهة باعتبارها جزءا منفصلا عن الآخر، فتوقف جبهة أو تصعيد أخرى قد يكون جزءًا من تكتيكات عسكرية متبادلة، لكن إدارة المعركة الوطنية تحتاج إلى رؤية أكثر شمولاً، تقوم على توحيد القرار، وتنسيق الجهود، وتكامل المسارات العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية تحت هدف رئيسي واضح وهو إنهاء الانقلاب الحوثي وإرساء قواعد الأمن والاستقرار والسلام الدائم والعادل.
فالمخا اليوم في واجهة الأحداث، وهذا يعني أنها ليست وحدها في معركة الدفاع عن الدولة والوطن، ففي الضالع صمود، وفي مأرب إرادة، وفي الساحل الغربي مواجهة، وفي مختلف المحافظات اليمنية قصص من التضحية والصمود، وكل مدينة تحمي أرضها وتدافع عن مؤسسات الدولة إنما تؤدي جزءاً من واجب وطني أكبر.
ولهذا، فإن الانتصار في المخا ليس انتصاراً محلياً فحسب، كما أن أي تقدم في جبهة أخرى لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مكسباً لمنطقة دون سواها؛ فالنتيجة النهائية يجب أن تصب في مصلحة الوطن بشكل عام. وأن النظر إلى المخا من زاوية عسكرية فقط يُبقي نصف الصورة في الظل، وهنا يجب ألا تكون حماية المخا هدفاً عسكرياً مؤقتاً، بل مشروع وطني متكامل لحماية المدينة وإعادة بناء اقتصادها وتعزيز دورها في منظومة الموانئ اليمنية.
الخلاصة.. المخا ليست رقعة جغرافية على هامش الخريطة. إنها نقطة التقاء بين الجغرافيا اليمنية والأمن البحري والاقتصاد الوطني. وحين تتعرض المخا للاستهداف، فإن المطلوب ليس فقط التعامل مع القصف بوصفه حدثاً عسكرياً، وإنما قراءة المشهد بأبعاده الاستراتيجية كافة: حماية السكان، تأمين الساحل، تحصين المرافق الحيوية، دعم مؤسسات الدولة، وتوحيد الرؤية الوطنية تجاه مختلف الجبهات.
المخا حارسة البحر الأحمر، وبوابة باب المندب، وذاكرة بحرية عريقة، وحمايتها ليست مسؤولية مدينة وحدها بل مسؤولية وطن يدرك أن موقعه على خارطة العالم يمكن أن يكون مصدر قوة وتنمية، لا ساحة مفتوحة للصراع.
ويبقى الرهان الأكبر هو توحيد الصف، وتكامل القرار، وحماية المدنيين، واستعادة الدولة، ثم تحويل الانتصار العسكري إلى أمن واستقرار وتنمية وسلام مستدام.
