مع كل إعلان عن تشكيل حكومي جديد، يتجدد أمل المواطنين في رؤية وجوه جديدة وكفاءات وطنية قادرة على إحداث فرق في الأداء العام، وتقديم أفكار ورؤى مختلفة تسهم في معالجة التحديات التي تواجه البلاد.
لكن ما يحدث في كثير من الأحيان لا يتجاوز عملية “تدوير” للمناصب، حيث يغادر الوزير وزارة ليتولى وزارة أخرى، بينما تبقى الأسماء ذاتها تتنقل بين الحقائب الوزارية، وكأن الوطن لا يملك غيرها.
وهنا نطرح سؤالا مشروعا: لماذا لا تكون هناك مدة زمنية محددة قانونًا لتولي المناصب التنفيذية العليا، وفي مقدمتها الوزارات؟
ولماذا لا يصبح تداول هذه المناصب جزءًا من منظومة الإصلاح الإداري، بما يضمن تجديد القيادات وفتح المجال أمام كفاءات جديدة؟
المسؤولية العامة ليست حقًا مكتسبًا، ولا ملكية خاصة، وإنما تكليف مؤقت لخدمة الوطن.
ولذلك، فإن تحديد مدة زمنية لتولي المناصب العليا لا ينتقص من قيمة من شغلوها، بل يعزز مبدأ تداول المسؤولية، ويمنح الدولة فرصة للاستفادة من خبرات متعددة ومتنوعة، ويمنع احتكار المواقع القيادية من قبل أشخاص بعينهم.
كما أن استمرار تدوير المناصب بين الأشخاص أنفسهم يبعث برسالة سلبية مفادها أن الدولة لا تثق إلا في دائرة ضيقة من الأسماء .
بينما الواقع يؤكد أن اليمن يزخر بكفاءات وطنية تمتلك الخبرة والعلم والقدرة على الإنجاز، لكنها لم تتح لها الفرصة لإثبات نفسها.
ولا يقتصر الأمر على الحكومات وحدها .
بل يمتد أيضًا إلى الأحزاب السياسية التي اعتادت ترشيح الوجوه نفسها في كل تشكيل حكومي، دون أن تعمل بصورة حقيقية على إعداد قيادات جديدة أو إتاحة الفرصة للصفين الثاني والثالث. ولو كانت هناك نصوص قانونية تحدد مدة شغل المناصب العليا، لأصبحت هذه الأحزاب مضطرة إلى تجديد كوادرها، وتأهيل قيادات جديدة، وهو ما سينعكس إيجابًا على الحياة السياسية والإدارية في البلاد.
ومن المؤسف أيضًا أن كثيرًا من التعيينات لا تزال تعتمد على الأسماء المعروفة، أو التوصيات، أو العلاقات الشخصية، أو المصالح المتبادلة، في حين تبقى كفاءات وطنية كثيرة خارج دائرة الاهتمام، ليس لضعفها، بل لأنها لم تجد من يمنحها الفرصة. وهذه الممارسات لا تحقق العدالة، ولا تساعد على بناء مؤسسات قائمة على الكفاءة والاستحقاق.
ولا ينبغي النظر إلى تداول المناصب العليا على أنه مجرد إجراء إداري، بل هو أحد أهم مظاهر العدالة الوطنية. فالعدالة لا تتحقق فقط في توزيع الثروة أو الخدمات، وإنما أيضًا في إتاحة الفرص أمام جميع أبناء الوطن للوصول إلى مواقع المسؤولية وفقًا للكفاءة والاستحقاق.
فحين تُفتح أبواب القيادة أمام الجميع، يشعر المواطن بأن دولته تنصف أبناءها، وأن الفرص ليست حكرًا على فئة أو أسماء بعينها.
كما أن تجديد القيادات لا يعني التقليل من قيمة أصحاب الخبرة أو إقصاءهم، بل يعني الإيمان بأن لكل مرحلة احتياجاتها، ولكل مسؤول أسلوبه وقدراته، وأن اختلاف الرؤى والخبرات قد يحقق نتائج أفضل ويولد حلولًا أكثر إبداعًا.
فالدول الناجحة لا تعتمد على أشخاص لا يغادرون المشهد، وإنما على مؤسسات قادرة على إنتاج قيادات جديدة بصورة مستمرة.
بناء دولة المؤسسات يبدأ من ترسيخ مبدأ تداول المسؤولية، وتكافؤ الفرص، واعتماد الكفاءة معيارًا وحيدًا للتعيين، بعيدًا عن الاحتكار أو الجمود. فالوطن أكبر من أن تختزل مسؤولياته في أسماء محددة، وأغنى بكثير من أن يخلو من الكفاءات القادرة على العطاء.
الإصلاح الحقيقي لن يتحقق ما لم نؤمن بأن المناصب العامة ليست امتيازًا دائمًا، بل مسؤولية مؤقتة لخدمة الوطن. وكلما اتسعت دائرة الفرص، اتسعت معها دائرة الإبداع، وتعززت العدالة الوطنية، وتجددت الثقة بمؤسسات الدولة، وأصبح الطريق مفتوحًا أمام كل صاحب كفاءة ليخدم وطنه دون أن تقف في طريقه دائرة مغلقة من الأسماء التي تتكرر مع كل تشكيل حكومي.
