
اهتمت الصحف البريطانية بفوز آندي بورنهام، الذي يُرجّح أن يصبح أحد أبرز المنافسين المحتملين لرئيس الوزراء الحالي كير ستارمر، في سباق قيادة حزب العمال.
وقد اختلفت هذه الصحف بشكل واضح في تفسير صعوده ودلالاته السياسية، بين من رآه فرصة سياسية لإعادة إحياء الحزب، ومن شكك في ثبات هويته السياسية، ومن اعتبره رمزا للأمل في زمن الإحباط، ومن تعامل معه بوصفه اختبارا عمليا لقدرة أي قائد محتمل على الحكم.
فقد رأت صحيفة إندبندنت في افتتاحيتها أن الانتخابات الفرعية في دائرة ميكرفيلد تحولت إلى حدث سياسي استثنائي يتجاوز مجرد شغل مقعد برلماني، ليمسّ مستقبل قيادة حزب العمال وربما الحكومة البريطانية نفسها.
وأوضحت أن فوز المرشح العمالي والعمدة السابق لمانشستر الكبرى لا يُعد مجرد انتصار انتخابي، بل قد يفتح الباب أمام تحدٍّ مباشر لزعامة كير ستارمر، مما يضع الناخبين أمام مفارقة مفادها أن التصويت لحزب العمال قد يؤدي عمليا إلى إضعاف قائده الحالي.
فرصة لإعادة ترتيب البيت
وفي السياق نفسه، أشارت تقارير إلى أن ستارمر يدرس موقفه خلال هذه المرحلة، بعد دعوات من داخل حزبه إلى وضع جدول زمني لرحيل منظم يتيح انتقالا سلسا للقيادة، مع ترجيحات بأن يكون بورنهام في قلب هذا التحول.
غير أن إندبندنت أكدت في الوقت ذاته حرص ستارمر على التمسك بمنصبه وإظهار أنه لن يتراجع بسهولة أمام ضغوط داخلية، ورحّبت بعرضه منح بورنهام منصبا حكوميا رفيعا في حال فوزه.
واعتبرت إندبندنت أن هذه الخطوة قد تساهم في احتواء التنافس الداخلي وتحويله إلى شراكة سياسية تعيد بناء حكومة تعاني من تراجع شعبيتها، وخلصت إلى أن فوز بورنهام لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه تهديداً حتمياً لستارمر أو لحكومة العمال، بل بوصفه فرصة محتملة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتعزيز وحدة الحزب في مرحلة سياسية دقيقة.
أما صحيفة ديلي تلغراف فقد تبنت قراءة نقدية حادة، مقدمة بورنهام بوصفه سياسيا متقلبا يفتقر إلى هوية فكرية ثابتة، ويتكيف مع الظروف السياسية أكثر مما يتمسك بمبادئ واضحة.
سلسلة من التحولات
واستعرضت الصحيفة مسيرته داخل حزب العمال باعتبارها سلسلة من التحولات بين تيارات مختلفة، من دعم سياسات السوق الحرة في عهد توني بلير، إلى الاقتراب من توجهات أكثر تدخلا في عهد غوردون براون، مرورا بتبدل مواقفه من قضايا مثل الهوية الوطنية، والاتحاد الأوروبي، وإسرائيل، وفلسطين، والسياسات البيئية.
كما أشارت إلى أن بورنهام أعاد تموضعه سياسيا أكثر من مرة، ونجح في الجمع بين شخصيات متناقضة داخل الحزب، من بلير إلى كوربن، مما يعزز -حسبها رأيها- صورة "السياسي القابل للتشكل".
وخلصت الصحيفة إلى أنه إذا وصل إلى رئاسة الحكومة، فلن يتمكن من الاستمرار طويلا في الجمع بين صورة "المتمرد الشمالي" وصورة رجل الدولة، وسيتعين عليه حينها تحديد هويته السياسية بوضوح.
في المقابل، قدّمت صحيفة فايننشال تايمز قراءة أوسع تتجاوز الأشخاص إلى جوهر الأزمة السياسية في بريطانيا، معتبرة أن المشكلة الأساسية ليست في السياسات بقدر ما هي في غياب "الأمل السياسي" القابل للتصديق.
ورأت الصحيفة أن صعود بورنهام يعكس قدرته على ملء هذا الفراغ العاطفي أكثر من كونه نتاج برنامج سياسي متكامل، وأوضحت أن تراجع ثقة الناخبين مرتبط بفشل القيادة السياسية، بما في ذلك حكومة ستارمر، في تقديم سردية إيجابية للمستقبل، إذ اتسمت سياستها بالحذر والتركيز على تقليل المخاطر بدل طرح مشروع طموح، مما جعل حزب العمال يبدو كخيار اضطراري أكثر منه مشروع تغيير.
رؤية طموحة
لكن الصحيفة حذرت في الوقت نفسه من أن "سياسة الأمل" وحدها لا تكفي، لأن التفاؤل غير المدعوم بنتائج ملموسة سرعان ما يتحول إلى خيبة جديدة، وبالتالي فإن أي قيادة مستقبلية تحتاج إلى مزيج من الإقناع العاطفي والخطة العملية القابلة للتنفيذ.
أما موقع آي بيبر فقد قدم تقييما عمليا أكثر واقعية، معتبرا أن بورنهام يمتلك رؤية طموحة لكنه سيواجه قيودا كبيرة تتعلق بالتمويل والوقت وتعقيدات الحكم، مما يجعل نجاحه مرهونا بالقدرة على التنفيذ لا الخطاب فقط.
وبعد فوز بورنهام في الانتخابات الفرعية في ميكرفيلد، طرح الموقع تساؤلا محوريا حول ما إذا كان يمتلك خطة فعلية لمعالجة أزمات بريطانيا البنيوية، أم أن صعوده لا يزال قائما على الوعود والأمل.
ورغم هذه التحديات، أشار الموقع إلى أن بورنهام يمتلك نقاط قوة مهمة، أبرزها قدرته على خوض معارك سياسية صعبة، وشعبيته المرتفعة نسبيا في استطلاعات الرأي، إضافة إلى أنه أقل ارتباطا بالإخفاقات الحالية لحزب العمال مقارنة بالقيادة القائمة.
واختتم الموقع بأن فوز بورنهام أعاد قدرا من الأمل إلى السياسة البريطانية بعد سنوات من الإحباط، لكنه يبقى غير كافٍ وحده، إذ إن نجاحه المستقبلي سيتوقف على قدرته على الجمع بين الطموح السياسي والواقعية التنفيذية، في وقت لم تعد فيه بريطانيا تحتمل وعودا بلا نتائج ملموسة.
