طارت السكرة وغابت الفكرة، ورجعنا (لمحزاية) الكهرباء. هذه الحكاية بمجملها عند المتفائلين جدا. (المحزاية) كانت في البدء لغزاً، لكنها مع مرور الوقت والحرب لم تعد كذلك، بل صارت محزاية للأمهات تحكيها للأطفال والكبار قبل النوم المفقود في ليالي ونهارات القيظ. فقد توالد كلفوت في كل مكان. كل جماعة لديها كلفوتها وكل منطقة لها كلفوت أو حتى كلافيت. لم تعد الخبطة هي كلمة السر الوحيدة.
ولكن ما لم ننتبه له أن (المحزاية) لا تخص الكهرباء وحدها. كل شيء تقريبا أصبح محزاية بذاته، لكن لا يحكيها الجميع. صارت الكهرباء وحدها أم الحكايات والرزايا، ليس لأنها الوحيدة في حياتنا، بل لأنها تتقدم على قريناتها. لماذا؟ لأن القرينات جميعهن تابعات، وكل واحدة منهن ترمي بلاها على محزاية الكهرباء. إذا يممت وجهك شطر أي مرفق أو مؤسسة أو سلطة لن تجد أمامك غير محزاية الكهرباء سببا.
تدخل البنك لإتمام معاملة مالية يصرخ أحدهم في وجهك: يا أخي أنت تتهابل وإلا أهبل بالوراثة؟؟؟ طيب يا أخي ليش الغلط ما فيش داعي نغلط على بعض... أشتي أخلص المعاملة واستلم الشيك ويا دار ما دخلك شر... يكثر الرد والجدل فتضطر أخيرا أن تجرجر خيبتك خلفك وتخرج من باب البنك فيلفحك الحر فتتذكر أنك لم تشعر بالحر في الداخل... تبتلع الخدعة وتواصل طريقك ثم فجأة يسألك أحدهم (ويه أيش قالوا لك؟ با يمشوا المعاملة) .... لا... لا قالوا ما فيش كهرباء... (تشتي عذر والا.... لكنهم ما قالوش إنه مافيش سيولة، حتى لو في كهرباء من فين با يجيبوا لك فلوس). وهكذا هو الحال.
محزاية الكهرباء يستخدمها الجميع بلا تكلف. لو سألنا كم المبالغ التي دفعت للكهرباء المشتراة منذ 2008، حتى اليوم لما استطعنا عدها، لم يحاول أحد عدها، لماذا؟؟
كان عبدالعزيز المفلحي شجاعا جدا وهو يتحدث عن هول المبالغ المصروفة للكهرباء وذهبت بها رياح مدرسة الفساد (لأن الفاسدين تجاوزوا معلمهم)، لكن المفلحي لم يكن بيده شيء ليعمله ولو على مستوى محافظة. الخيبة الأكبر عندما يأتي شخص كان ولا يزال يمثل جزءا من مركز القرار لينتقد السياسة السابقة في مجال الطاقة، فيقول إنه كان يفترض بناء محطة غازية في المكان الفلاني حيث ظهر البترول والغاز وبدأت أعمال البناء هناك!!!
لماذا تأخر المقترح أو النقد كل هذه العقود الطويلة، ألم يكن من الأفضل توجيه النصح حينها وأنت قريب من مركز صنع القرار زمانا ومكانا بدلا من نقد من لم يعد له وجود الآن؟
لقد سبق أن تحدثنا في موضوع الكهرباء، وقلنا إن العقلية التي أوصلت الوضع إلى ما هو عليه الآن غير قادرة على الإتيان بما هو أفضل. نقطة وسطر جديد...
بعض وسائل الإعلام نشرت خبرا عن الاتجاه لتبني وصفة صندوق النقد لإصلاح قطاع الكهرباء، إن كان الخبر حقيقة فإننا سنكون أمام وجهين للأمر. الأول هو اعتراف صريح بفشل الإدارة الاقتصادية الوطنية في ابتكار حلول للمشكلات التي خلقتها هي نفسها، والثاني أن الوصفة لن تقتصر على الكهرباء وحدها، هذا إذا صدقت السلطة بأنها تبنت برنامجا للإصلاح الاقتصادي. لكنه بالتأكيد ليس من إبداعها وخبرائها... سنتحدث في وقت ما عن وصفات صندوق النقد.
مشكلة الكهرباء وبقية القطاعات ليست في الموارد فحسب، لكن الموارد ليست هي الأساس في القطاعات الإيرادية والإنتاجية على الأقل.
نصب أحد التجار أربعة مولدات في أحد الهناجر وبدأ يجني الأرباح من أول يوم، بينما فشلت المؤسسة ليس فقط في تحصيل مواردها، بل وإدارة محطاتها والحفاظ على جاهزيتها...
السؤال الملح هو: لماذا يفشل المسؤول الحكومي في إدارة المؤسسة الحكومية الإيرادية والإنتاجية بنفس الكفاءة التي يدير بها شركته أو مؤسسته؟؟؟ ممكن إيراد أمثلة كثيرة من هذا النوع، (مدارس، مستشفيات، جامعات، مصانع، شركات اتصالات وخدمات، وغيرها).
الكهرباء والمياه والصرف الصحي بالذات لم تعودا قادرتين على الوقوف بنفس العكازات القديمة. حتى وإن تم تنفيذ وصفة صندوق النقد فلن تحققا أي نتائج مبشرة بنفس الأدوات المعتادة. وإذا كان لابد من اتباع وصفات المؤسسات الدولية فلماذا لا تقترن بإصلاح هيكلي حقيقي يحمي موارد هاتين المؤسستين، كأن يتم تجزئتها إلى مؤسسات (للإنتاج والنقل والتوزيع) وإشراك القطاع الخاص في إعادة بناء هذه المؤسسات وادارتها ماليا وبشريا.
تصوروا أن مؤسسة إيرادية ضخمة خلال تاريخها كله لم تستطع أن تبني لنفسها مقرا يليق بها كمؤسسة سيادية، بينما بقالة خاصة صغيرة تتحول بين ليلة وضحاها إلى سوبرماركت بمواصفات دولية.
