تأكيد على متانة العلاقات والحرب في الشرق الأوسط وملفات الطاقة والاقتصاد تتصدر مباحثات الرئيس الروسي في الصين

بكين/ 14 أكتوبر / متابعات:
نددت الصين وروسيا، خلال قمة مشتركة عُقدت اليوم الأربعاء، بخطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبناء منظومة الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية"، وسياسة واشنطن النووية "غير المسؤولة".
جاء ذلك بعد أسبوع من استضافة الرئيس الصيني شي جينبينغ الرئيس الأميركي في بكين.
وأكد البيان المشترك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن شي، وعلى رغم سعيه إلى إقامة علاقات مستقرة وبناءة مع ترمب، إلا أنه يختلف معه اختلافاً جوهرياً في القضايا الرئيسة التي يتوافق فيها موقف الصين بشكل وثيق مع موقف روسيا. وذكر البيان أن خطة ترمب لنشر منظومة اعتراض صواريخ أرضية وفضائية تمثل تهديداً للاستقرار الاستراتيجي العالمي، منتقداً واشنطن لوقف العمل بالمعاهدة التي كانت تقيد الترسانات النووية الأميركية والروسية.
في المقابل، وعلى رغم اتفاق شي وبوتين في مواقفهما إزاء قضايا الأمن العالمي، فقد أخفقا في تحقيق تقدم كانت موسكو تسعى إليه منذ فترة، ويتمثل في إبرام اتفاق لإنشاء خط أنابيب جديد يتيح مضاعفة كميات الغاز الطبيعي التي تصدرها روسيا إلى الصين.
وأكد الرئيسان الصيني والروسي متانة العلاقات بين بلديهما على رغم الأوضاع المضطربة التي يشهدها العالم، ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة عن جينبينغ قوله لبوتين "استطعنا باستمرار تعميق ثقتنا السياسية المتبادلة وتنسيقنا الاستراتيجي بصلابة تبقى راسخة على الرغم من التجارب والتحديات".
أما بوتين فقال إن العلاقات بين البلدين وصلت إلى "مستوى عال غير مسبوق" رغم ما وصفه بـ"العوامل الخارجية غير المواتية".
استقبل الرئيس الصيني، صباح اليوم الأربعاء، نظيره الروسي في قاعة الشعب الكبرى في بكين، حيث ستعقد قمة بينهما، وفق ما أظهرت لقطات بثتها وسائل إعلام روسية، بعد أقل من أسبوع على زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للعاصمة الصينية حيث استُقبل بحفاوة لافتة. وقال جينبينغ لضيفه الروسي، إن "تطور علاقات بلدينا يعود لعمق الثقة السياسية والتعاون الاستراتيجي"، واصفاً العلاقات بين موسكو وبكين بـ"الراسخة". وأضاف أن "العلاقات الروسية - الصينية تسهم في الاستقرار العالمي".
وقال الرئيس الصيني لضيفه الروسي عن الوضع في الشرق الأوسط، إن "المفاوضات مهمة للغاية ويتعين وقف القتال"، معتبراً أن "وقف الحرب سيساعد في الحد من اضطراب إمدادات الطاقة والنظام التجاري الدولي".
وصافح شي بوتين أمام قاعة الشعب ثم عزفت فرقة موسيقية عسكرية النشيدين الوطنيين لبلديهما، بحسب اللقطات. ومن المتوقع أن يجري الزعيمان محادثات تركز على زيارة ترمب وقضايا ذات اهتمام مشترك مثل الحرب في الشرق الأوسط وإمدادات الطاقة والتحديات التي تواجه النظام الدولي.
وكان بوتين وصل إلى الصين، أمس الثلاثاء، لإجراء محادثات مع شي جينبينغ، في خطوة تهدف إلى إبراز متانة العلاقات بين البلدين.
وبثت قناة "سي سي تي في" التلفزيونية الصينية الرسمية مشاهد لهبوط طائرة بوتين في مطار بكين الدولي بعيد الساعة 23:15 (15:15 توقيت غرينتش). ومن المقرر أن يبحث بوتين مع نظيره شي سبل "تعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي" بين روسيا والصين، وفق بيان صادر عن الكرملين.
وتعمقت العلاقات بين البلدين منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا في عام 2022، إذ يزور بوتين الصين سنوياً منذ ذلك الحين، في وقت تواجه بلاده عزلة على الساحة الدولية. غير أن العلاقة بين الجانبين ليست متكافئة، إذ يتركز اعتماد موسكو اقتصادياً على بكين التي أصبحت المشتري الرئيس للنفط الروسي الخاضع للعقوبات.
ومن بين الملفات المطروحة على طاولة النقاش، مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي "باور أوف سيبيريا 2" (قوة سيبيريا 2) الذي سيربط روسيا بالصين عبر منغوليا، كبديل بري للنفط المستورد بحراً من الشرق الأوسط، وهو مشروع تحرص موسكو على تسريعه.
وفي مؤشر إلى الأجواء الإيجابية المرافقة لزيارة بوتين الصينية، تبادل الزعيمان "رسائل تهنئة" الأحد لمناسبة مرور 30 عاماً على الشراكة الاستراتيجية بين بلديهما. وأشاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غوو جياكون أمس الثلاثاء بـ"الصداقة الراسخة بين الصين وروسيا".
وفي رسالة مصورة إلى الشعب الصيني نُشرت الثلاثاء، قال بوتين، إن العلاقات بين موسكو وبكين بلغت "مستوى غير مسبوق"، وإن التبادل التجاري بينهما "يواصل النمو".
وأضاف، أن "العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين روسيا والصين تؤدي دوراً مهماً على المستوى العالمي. ومن دون التحالف ضد أي طرف، نسعى إلى السلام والازدهار للجميع"، من دون الإشارة إلى أي دولة ثالثة. ويُرتقب أيضاً أن يوقع الزعيمان إعلاناً مشتركاً في ختام المحادثات.
خلال زيارة بوتين الأخيرة إلى بكين في سبتمبر 2025، استقبله شي بحفاوة واصفاً إياه بـ"الصديق القديم". ومن المرجح أن يسعى الرئيس الروسي، الذي يصف شي بـ"الصديق العزيز" إلى إظهار أن علاقاتهما لم تتأثر بزيارة ترمب.
وعلى رغم أن زيارة بوتين قد لا تحظى بالمظاهر الاحتفالية نفسها التي رافقت زيارة ترمب، فإن "العلاقة بين شي وبوتين لا تحتاج إلى مثل هذه المظاهر الاستعراضية"، بحسب باتريشيا كيم من معهد "بروكينغز" في واشنطن.
ولفتت إلى أن الجانبين ينظران إلى علاقاتهما على أنها "أقوى وأكثر استقراراً" مقارنة بالعلاقات الصينية الأميركية.
ومنذ بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، حرصت الصين على إظهار نفسها طرفاً محايداً في النزاع، ودعت إلى مفاوضات للتوصل إلى تسوية تضمن سيادة الطرفين.
إلا أن الدول الغربية التي ساندت أوكرانيا مالياً وتسليحياً، تنتقد بكين على خلفية عدم إدانتها الهجوم الروسي، وتشتبه في أن الصين وفرت دعماً اقتصادياً وعسكرياً لروسيا خلال الحرب.
ومع أن ترمب وشي تطرقا إلى القضية الأوكرانية، لكن الرئيس الأميركي غادر الصين من دون تحقيق اختراق يُذكر في هذا الخصوص. ورجحت كيم أن "يُطلع شي بوتين على تفاصيل قمته مع ترمب".
وقالت، إن غياب نتائج واضحة من لقاء الرئيسين الصيني والأميركي من شأنه أن "يطمئن موسكو إلى أن شي لم يتوصل إلى تفاهم مع ترمب قد يضر بالمصالح الروسية".
في هذا الوقت، يأمل بوتين في أن تعزز الصين التزامها بالعلاقات مع بلاده، خصوصاً بعدما صرح ترمب بأن بكين وافقت على شراء النفط الأميركي لتلبية "شهية الطاقة التي لا تشبع".
وفي ظل اعتماد روسيا على صادراتها للصين لدعم اقتصادها ومجهودها الحربي، قال لايل موريس من "آسيا سوسايتي"، إن "بوتين لا يريد خسارة هذا الدعم".
وأضاف أنه "سيكون حريصاً على معرفة طبيعة الخطوات التالية للصين في الشرق الأوسط"، بعدما "أشار ترمب بوضوح إلى أنه يأمل في أن تلعب بكين دوراً قيادياً".
وفي ما يتعلق بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قد تختلف أولويات الصين وروسيا، إذ "تعتمد بكين على حرية الملاحة في الممرات البحرية العالمية لدعم أنشطتها الاقتصادية، وتفضل إنهاء التوتر في مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن"، بحسب جيمس تشار من جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة.
في المقابل، ترى موسكو الوضع من منظور مختلف، كونها "استفادت اقتصادياً من القتال في إيران نتيجة تخفيف القيود على إمدادات الطاقة الروسية".
وكان وزير الخارجية سيرغي لافروف صرح بعد لقائه شي في أبريل بأن روسيا يمكن أن "تعوض" أي نقص في إمدادات الطاقة لدى الصين خصوصاً مع تأثر الأسواق العالمية بالحرب.
ورأى جوزيف ويبستر من المجلس الأطلسي أن "تعزيز التعاون في مجال الطاقة قد يكون في صلب المحادثات، مع سعي بكين إلى الحصول على مزيد من الطاقة الروسية".
وأضاف، "بالنسبة إلى موسكو، قد يكون توجيه مزيد من النفط نحو الشرق خياراً أكثر جاذبية، في ظل الحملة المستمرة التي تشنها أوكرانيا على البنية التحتية للطاقة الروسية".
