في شوارع عدن، لا يبدو المشهد التعليمي كما كان في السابق. المدارس ما زالت قائمة، والطلاب يذهبون ويعودون، لكن خلف هذا المشهد المعتاد تختبئ أزمة صامتة تتسع يومًا بعد يوم… أزمة تُعرف بـ”التدني الدراسي”.
لم يعد الطالب كما كان، شغوفًا، متطلعًا، يحمل كتابه كأنه مفتاح لمستقبله. بل أصبح كثير من الطلاب اليوم يذهبون إلى المدرسة بلا رغبة، يفتحون كتبهم بلا تركيز، ويعودون دون أن يحملوا معهم إلا تعبًا إضافيًا.
فما الذي تغيّر؟
الواقع في عدن لم يعد يسمح للطالب بأن يكون طالبًا فقط. انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، والحرارة المرتفعة، والضغوط النفسية الناتجة عن الظروف المعيشية الصعبة، كلها عوامل جعلت التركيز رفاهية لا يملكها الجميع. فكيف لطالب أن يذاكر في ظلام؟ أو يراجع دروسه تحت وطأة الحر والتعب؟
كثير من الطلاب اليوم يلجؤون إلى المذاكرة تحت أعمدة الإنارة في الشوارع، أو في أماكن عامة بحثا عن ضوء يساعدهم على الاستمرار. مشهد يحمل في داخله إصرارًا، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم المعاناة التي يعيشها هذا الجيل.
وليس الطالب وحده من يدفع الثمن، فالمعلم أيضًا يواجه تحديات لا تقل قسوة. ضعف الرواتب، وقلة الإمكانيات، والضغط المستمر، جعلت من العملية التعليمية عبئًا بدلاً من أن تكون رسالة. وعندما ينهك المعلم، كيف يمكن أن يُلهم الطالب؟
ثم تأتي المناهج، التي في كثير من الأحيان لا تراعي الواقع الحالي، ولا تتناسب مع قدرات الطلاب في ظل هذه الظروف. فتصبح الدراسة حفظا بلا فهم، وامتحانًا بلا استيعاب، ونتائج لا تعكس حقيقة الجهد المبذول.
التدني الدراسي ليس مجرد ضعف في التحصيل، بل هو انعكاس مباشر لأزمة أعمق. هو نتيجة طبيعية لبيئة غير مستقرة، لأسرة منشغلة بتأمين أساسيات الحياة، لطالب يحمل همومًا أكبر من عمره، ولمعلم يُكافح ليُكمل يومه.
ومع اقتراب مواسم الامتحانات، يتضاعف القلق. طلاب بين الخوف من الفشل، وضغط التوقعات، وعجز الواقع. أحلامهم معلقة بين ما يريدون أن يكونوا عليه، وما يسمح لهم الواقع أن يكونوا.
لكن رغم كل هذا، لا يزال هناك أمل.
هناك طلاب يقاومون، يدرسون رغم كل شيء، ويتمسكون بأحلامهم كأنها طوق نجاة. وهناك معلمون لا يزالون يؤمنون برسالتهم، ويعطون من قلوبهم قبل عقولهم. وهناك أسر، رغم ضيق الحال، تحاول أن تدعم أبناءها بكل ما تستطيع.
إن إنقاذ التعليم في عدن لم يعد خيارًا، بل ضرورة. يبدأ ذلك بتوفير بيئة مناسبة للطالب، ودعم المعلم، وتطوير المناهج، والاهتمام الحقيقي بمستقبل هذا الجيل.
لأن تراجع التعليم لا يعني فقط ضعف جيل، بل يعني ضياع مستقبل وطن بأكمله.
وفي النهاية، حين تتراجع الأقلام، لا يسقط الحبر فقط، بل يسقط معه حلم كان يمكن أن يُغيّر كل شيء.
