في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن النفط مجرد سلعة، بل كان عنوانًا للصراع على السيادة (ومازال). حين قرر رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق تأميم النفط في إيران، كان يواجه منظومة دولية كاملة، تتزعمها المملكة المتحدة عبر شركة النفط الأنجلو-إيرانية. رفضُ الشركة الخضوع لرقابة الدولة الإيرانية فجّر أزمة كبرى، وأصدرت حكومة مصدق قرار التأميم الشهير، وانتهت بحصار اقتصادي وانقلاب سياسي أعاد ترتيب السلطة بإزاحة مصدق، لكنه في الوقت ذاته فتح بابًا لتحولات استراتيجية في سوق الطاقة العالمية.
أحد أهم تلك التحولات لم يكن في طهران، بل على سواحل عدن. فمع تصاعد المخاطر المرتبطة بتأميم النفط، أدركت بريطانيا أن الاعتماد على منشآت داخل دول قد تتجه نحو السيادة الكاملة لم يعد خيارًا آمنًا. وهنا برزت فكرة إنشاء مصفاة ضخمة في منطقة خاضعة لنفوذها المباشر، فجاء مشروع مصافي عدن في البريقة.
أنشأت بريتيش بتروليوم هذه المصفاة بين عامي 1952 و1954، بتكلفة كبيرة وطاقة إنتاجية جعلتها من أبرز المصافي في المنطقة. لم يكن المشروع مجرد استثمار اقتصادي، بل كان تأمينًا استراتيجيًا ضد تكرار سيناريو مصدّق. وهكذا، يمكن القول إن مصافي عدن وُلدت من رحم تلك الثورة؛ كاستجابة مباشرة لمخاوف القوى الكبرى من فقدان السيطرة على النفط.
تحولت عدن سريعًا إلى مركز إقليمي لتكرير وتوزيع الوقود، مستفيدة من موقعها الجغرافي الحيوي على طرق الملاحة العالمية. لعقود، لعبت المصفاة دورًا محوريًا في تغذية الأسواق المحلية والإقليمية، وكانت رمزًا لقدرة البنية التحتية على صناعة النفوذ الاقتصادي.
لكن الصورة اليوم تبدو مختلفة تمامًا. فمصافي عدن، التي كانت يومًا ركيزة للطاقة، تواجه تحديات كبيرة تصل إلى حد التوقف التام. في وقتٍ تتزايد فيه الحاجة إلى الوقود ومشتقاته في عدن والمناطق المجاورة، تبدو المفارقة صارخة، منشأة بُنيت لضمان الإمدادات في أوقات الأزمات، أصبحت عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحاضر.
إن الربط بين تجربة مصدّق ومصافي عدن يكشف مفارقة تاريخية عميقة. فبينما خاضت إيران معركة السيادة على مواردها، أنشأت القوى الكبرى بدائلها لضمان مصالحها. أما اليوم، فإن التحدي لم يعد صراعًا مع الخارج بقدر ما هو صراع مع الإهمال والتقادم وضعف الإرادة من صناع القرار.
إعادة تشغيل وتحديث مصافي عدن لم تعد خيارا ثانويا، بل ضرورة استراتيجية. فاستمرار تعطلها يعني بقاء عدن رهينة للاستيراد، وتقلبات السوق، وأزمات الإمداد. في المقابل، يمكن لإحيائها أن يعيد للمدينة دورها التاريخي كمركز طاقة، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة الأزمات.
بين ثورةٍ مصدق التي سعت للتحرر، ومصفاةٍ وُلدت لضمان السيطرة، تقف عدن اليوم أمام سؤال مختلف: هل تستطيع استعادة دورها، أم ستظل خارج معادلة النفط التي ساهم حضورها الفاعل يومًا في تشكيلها؟
