لم يعد الأمر مجرد عجز عن الكتابة، بل هو عجز عن إيجاد فكرةٍ جديدة تقال، بعدما استهلكت كل الكلمات في وصف الألم ذاته. لعشر سنوات متواصلة، ونحن نكتب… نكتب عن وطن يتآكل، وعن إنسان يذبل، وعن أحلام تتبخر في زحمة الإهمال واللامبالاة.
كتبنا عن عدن العاصمة بكل ما يشوبها من اهمال في شوارعها وتصريف مياه امطارها كتبنا عن الطرق الرئيسية المتهالكة التي تصل بين المحافظات والتي سحقتها المعدات الثقيلة اثناء الحروب بل تفصل بين معاناةٍ وأخرى. كتبنا عن وضع المدارس وازمة الكتب التي فقدت روحها، وعن المعلم الذي صار يحمل همّ الحياة أكثر مما يحمل رسالة التعليم. كتبنا عن مشاريع المياه والمستشفيات التي أصبحت أقرب إلى محطات انتظار للألم، لا أماكن للشفاء.
كتبنا عن الكهرباء وانقطاعات التيار التي تغيب أكثر مما تحضر، وعن أسعار ترتفع بلا رحمة، وعن مشتقات نفطية، عن مرتبات موظفين غير منتظمة. كتبنا عن كل شيء أثقل كاهل المواطن حتى كاد أن ينهار.
كتبنا عن كل شيء..عن البنية التحتية، عن الفقر، عن البطالة، عن الانهيار الذي طال كل مفاصل الحياة. لم نترك بابا إلا طرقناه، ولا قضية إلا وألقينا عليها الضوء، لأننا نؤمن أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو منظومة حياة متكاملة، قوامها الإنسان وكرامته.
لكن، ماذا بعد..!
المؤلم أن كل تلك الكلمات لم تجد صدى. كأننا نكتب في فراغ، أو نصرخ في واد لا يسمع. عشر سنواتٍ من النداء، ولم يتحرك ساكن. القيادات التي كان يفترض أن تكون حارسة لهذا الوطن، بدت وكأنها في عالم آخر، منشغلة بحساباتها الخاصة وبناء المجمعات والمحلات التجارية والمحطات الخاصة ترتب كل مصالحها الضيقة، تاركة الوطن يتداعى أمام أعين الجميع وان وجد عمل فهو عمل ترقيع موقت بسيط.
لم يعد السؤال.. ماذا نكتب..!
بل أصبح.. هل ما نكتبه انا وغيري من الكتاب والصحفيين يُقرأ أصلاً..؟ وهل هناك من يشعر بثقل هذه الكلمات؟
حين تغيب المسؤولية، تتحول المعاناة إلى مشهد يومي عادي، ويصبح الألم جزءاً من الروتين. والأسوأ من ذلك، أن يفقد الناس ثقتهم في أن شيئاً قد يتغير، فيستسلمون لواقع لا يليق بهم ولا بوطنهم.
ورغم كل هذا… سنكتب.!
سنكتب لأن الكتابة لم تعد خياراً، بل واجب. سنكتب لأن الصمت خيانة، ولأن الكلمة، وإن بدت عاجزة اليوم، قد تكون بذرة التغيير غداً. سنكتب لأن هذا الوطن يستحق أن يروى وجعه، وأن تحكى قصته، حتى لا يقال يوماً إن جميع الاقلام صمتت.
فحين تنفد الأفكار…
تبقى الحقيقة.
وحين تتكرر المعاناة…
يبقى الأمل، ولو كان ضئيلاً، هو ما يدفعنا لنواصل الكتابة.
