
تحتفظ الصحافة الأميركية بدرجة واضحة من استقلالية الرأي في القضايا الكبرى، وهو الأمر الذي يجعل استطلاع الصحافة الإعلام بشكل عام في أميركا أمراً مهماً لمعرفة رؤيتهم للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والضربات الإيرانية الانتقامية في المنطقة الخليجية والشرق أوسطية.
فقد تابعت وسائل الإعلام الأميركية الهجوم الذى شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والذي أسفر في بداياته عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئى، وضرب العديد من المواقع في إيران، والرد الإيراني الانتقامي العشوائي تجاه دول الخليج العربي.
وقالت نيويورك تايمز إن انهيار النظام الإيراني لن يحدث بسهولة، ولكن حتى في حال لم يسقط قريباً، فإن الضربات الأميركية الإسرائيلة على إيران سوف تترك منطقة الشرق الأوسط وهي تعيش عواقب استراتيجية تضاهي انهيار الاتحاد السوفيتي.
واشنطن بوست: النصر وتجنب اللوم
وقالت صحيفة واشنطن بوست إن ترامب يتبنى استراتيجية فى رسائله المسجلة للأميركيين عن ضرب إيران بحيث يترك مساحة لإدعاء تحقيق النصر أو تجنب اللوم، وذكرت الصحيفة إنه فى حين استخدم الرئيس بوش خطابًا رسميًا من غرفة مجلس الوزراء لإبلاغ الأمريكيين بالقبض على الزعيم العراقي صدام حسين عام 2003، وتحدث أوباما أمام الكاميرات عندما أعلن مقتل أسامة بن لادن عام 2011، فإن ترامب استخدم استراتيجية تواصل مختلفة، للإعلان عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني، تمثلت في منشور مكتوب على موقع «تروث سوشيال»، مما يؤكد أنه عصر السوشيال ميديا بامتياز.
حيث أتبع ترامب نهجًا مختلفًا تمامًا في إقناع المواطنين الأمريكيين بـ الهجوم على إيران، بتخصيص ثلاث دقائق من خطابه السنوي عن حالة الاتحاد، لهذه القضية، ثم تحدث إلى الأميركيين عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ومقطعي فيديو تم تسجيلهما في منتجع مارالاجو.
وذهبت الصحيفة إلى القول بان هذه الاستراتيجية قد تمنح ترامب مرونة في الأيام والأسابيع المقبلة لتجنب ما وصفه وزير الخارجية الأسبق كولن باول لبوش بقاعدة «بوتري بارن» إذا خالفتها، فأنت تتحمل عواقبها.
ومنذ البداية، تتابع واشنطن بوست، حرص ترامب على وضع حدود للهجوم الأميركي، مصرحًا برغبته في الإطاحة بالنظام، لكنه قال للإيرانيين إن عليهم اغتنام الفرصة لكتابة الفصل التالي من تاريخ بلادهم. وقد عززت استراتيجيته الإعلامية هذه الحدود من خلال خلق مسافة ما - على الأقل في الصورة - بين الرئيس والقتال.
مبررات ترامب لضرب إيران
لكن في الوقت نفسه، تبنى ترامب خطابًا موسعًا حول أسباب تدخله، مستحضرًا المبررات التي استُخدمت في التدخلات الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط. فقال في مقطع فيديو على منصة "تروث سوشيال" يوم الأحد: «لقد شنوا حربًا على الحضارة نفسها»، تاركًا أهداف الهجوم غامضة. «إننا نقوم بهذه العملية الضخمة ليس فقط لضمان الأمن في زماننا ومكاننا، بل ولأبنائنا وأحفادنا، تماماً كما فعل أسلافنا من أجلنا منذ سنوات عديدة. هذا هو واجب ومسؤولية شعب حر».
ماذا يقول الخبراء عن استراتيجية ترامب؟
ووفقاً لتقرير "المصري اليوم" يقول خبراء في شؤون الشرق الأوسط إن استراتيجية ترامب قد تُكلل بالنجاح السياسي، إذ تجمع بين نهج يعتمد على الضربات الجوية فقط وتعريف مرن لما يُعتبر نصرًا.
ويوضح آرون ديفيد ميلر، الذي قدم المشورة للإدارات الديمقراطية والجمهورية بشأن قضايا الشرق الأوسط: «لدينا سيطرة تصعيدية في إيران. نحن نتحكم في وتيرة الصراع العسكري، ومحوره، وشدته. يمكننا التصعيد متى شئنا، ويمكننا على الأرجح منع الإيرانيين من التصعيد، وبالتالي يمكننا السيطرة على إيران دون تطبيق قاعدة بوتري بارن. هذا ما يجعل هذه الاستراتيجية ترامبية بامتياز».
من جانبه، قال ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، إن ترامب يدعو إلى تغيير النظام، لكنه لا يتحمل مسؤولية ذلك، على حد وصفه، وهو ما يمنحه مخرجًا من المسؤولية، فلا يضطر إلى متابعة الأمر حتى النهاية. فإذا حدث التغيير، يُنسب إليه الفضل فيه، وإذا لم يحدث، لا يُلام.
لكن الصحيفة تشير إلى أن تصريحات ترامب الشاملة تنطوى على مخاطر سياسية إذا تدهور الوضع، لا سيما إذا ارتفع عدد القتلى من الجنود الأميركيين.
فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، يوم الأحد، عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة خمسة آخرين في العملية حتى الآن، مضيفاً أنه من المرجح أن يكون هناك المزيد قبل أن تنتهي العملية، فقد لقي جندي رابع مصرعة خلال الساعات الماضية.
النظام الإيراني لن ينهار بسهولة
وتعليقاً على مقتل آية الله علي خامنئي، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن المرشد الأعلى لإيران ربما يكون قد رحل، لكن سيأتي غيره، وسيتم استبدال القادة العسكريين الذين قُتلوا. ولن ينهار نظام الحكم الذي تم بنائه على مدى 47 عامًا بسهولة تحت وطأة القوة الجوية وحدها. ولا تزال إيران قادرة على الرد على الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، ومسار الحرب غير واضح.
لكن الجمهورية الإسلامية، التي كانت أصلاً ضعيفة وغير شعبية، بحسب الصحيفة، أصبحت الآن أكثر ضعفًا، وقوتها في الداخل وفي المنطقة في أدنى مستوياتها منذ تولي قادتها السلطة خلال الثورة التي أطاحت بشاه إيران المدعوم من الولايات المتحدة في 1979.
لكن حتى لو لم يسقط النظام، وهو ما يزال الهدف المعلن للرئيس ترامب، فمن المرجح أن يكون لهذا الهجوم الضخم عواقب استراتيجية في الشرق الأوسط تضاهي انهيار الاتحاد السوفيتي.
فقد كان خامنئى يكن عداءً شديداً لإسرائيل والولايات المتحدة، اللتين كان يصفهما باستمرار بـ"الشيطان الأعظم"، ودائماً كان يرفع شعار "الموت لأميركا.. الموت لإسرائيل"، وقام ببناء وتمويل مجموعة إقليمية من الوكلاء الذين حاصروا إسرائيل وشاركوه كراهيتها سواء في لبنان "حزب الله" أو في العراق واليمن وغيرها من مناطق الشرق الأوسط.
ونقلت نيويورك تايمز عن سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة تشاتام هاوس، البريطانية قولها إن الجمهورية الإسلامية كما نعرفها اليوم لن تصمد.
وأضافت إن الشرق الأوسط لن يعود كما. فعلى مدى 47 عامًا، عاش الشرق الأوسط في ظل ما وصفته بـ «النظام المعادى والقوة المزعزعة للاستقرار»، وحاول في البداية عزلها ثم السيطرة عليها. وأشارت إلى أنه قد يتم الآن تفكيك النظام، وقد يظهر نظام جديد ومختلف. وقد تكون هذه القيادة أقل ودًا لواشنطن، لا سيما إذا كانت تحت سيطرة الحرس الثوري الإسلامي.
من جانبه، قال ولي نصر، الخبير في الشؤون الإيرانية بكلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، على وسائل التواصل الاجتماعى، إن إيران تهدف الآن إلى امتصاص الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والحفاظ على موقعها، والإشارة إلى توسع الحرب، وانتظار وساطة الأطراف الإقليمية القلقة للتوصل إلى وقف إطلاق النار.
ويتوقعون أنه إذا لم يحقق ترامب نصراً سريعاً، فسيسعى إلى الانسحاب، وستكون المفاوضات اللاحقة مختلفة.
