من ميادين الطيران إلى صفحات التاريخ

في تاريخ الأوطان تبرز أسماء قليلة تحمل في طياتها معنى المسؤولية والوفاء، ومن بين هذه القامات يسطع اسم اللواء ركن طيار فائز منصور التميمي، الذي ظل رمزًا للصبر والعزيمة منذ أن تولى العديد من المناصب العسكرية، ومثالًا حيًا على أن القيادة ليست منصبًا بل رسالة أخلاقية ووطنية قبل أن تكون سياسة.
لقد كان القائد التميمي يحلّق في فضاءات المجد، متنقّلًا بين الطائرات العسكرية: MI-8، MI-35، MI-17، MI-171، يقودها بثقة واقتدار، حتى بلغ مجموع ساعات طيرانه الفعليّة 2470 ساعة من العطاء المتواصل. لم تكن تلك الساعات مجرد أرقام جامدة، بل كانت نبضًا حيًا يحمل بين أضلعه همّ الوطن ويترجم إخلاصه في كل رحلة، ليظل شاهدًا على أن الطيران بالنسبة له لم يكن مهنة فحسب بل رسالة ومسؤولية إنسانية ووطنية.
إنه ليس مجرد قائد عسكري، بل عاش إنسانا لا يصدأ معدنه. حمل همّ الوطن والإنسان معًا، وظل أبو الوليد وفيًا لقيم أخلاقيات المسؤولية العسكرية والوطنية منذ بواكير شبابه المهنية. هكذا عرفه الناس، وهكذا سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة الوطن: لطالما أثبت اللواء التميمي أن القائد الحقيقي هو من يضع الناس في قلب اهتماماته.
منذ بداياته في قيادة المنطقة العسكرية الثانية، حمل اللواء فائز منصور التميمي همّ الجنود والموظفين على كتفيه، وظل شعورا ووجدانا صوت العسكر والإنسان، ساعيًا إلى توحيد المستحقات الوطنية لضمان العدالة بين أفراد المؤسسة العسكرية. لم يكن ذلك مجرد مطلب إداري، بل كان انعكاسًا لرؤية إنسانية عميقة، أدرك ببصيرة القائد الفذ الذي حنكته خبرات العسكرية أن الجندي الذي يواجه الصعاب في ميادين الشرف يستحق أن يُكافأ بإنصاف دون تمييز، وذلك من مفهومه أن الوطن لا ينهض إلا بكرامة أبنائه. وكما قال أحمد شوقي: “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”، وقد جسّد التميمي هذا المعنى إلى ملامسة إنسانية في كل خطوة من مسيرته العملية.
لم يتوقف اللواء فائز منصور التميمي عند حدود المؤسسة العسكرية، بل مضى الرجل في مسعاه الإنساني لتشمل الإعانة السعودية عموم موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين. لم يكن هدفه مجرد دعم مالي، كان يرى في هذه الإعانة بارقة أمل لتحسين الحالة الاقتصادية المتردية عند الناس، ووسيلة لتخفيف وطأة الغلاء عن كاهل الأسر، مطالبًا بتحقيق هذا المشروع الإنساني كلما سنحت له فرص اللقاء بقيادات الصف الأول على المستويين المحلي والإقليمي، وذلك من وجهة نظره الثاقبة بأن يقف الوطن ذات يوم على قدميه، حتى إذا انقطعت الإعانة لاحقًا، يكون كل من الوطن والمواطن قد تجاوز أصعب مراحل الحياة.
لقد أثبت اللواء التميمي أن فلسفة القيادة الحقيقية تُقاس بما يقدمه القائد لأمته، لا بما يحصده لنفسه. لذلك فلا غرابة أن يفوز التميمي فائز خلال مشواره العسكري بنياشين الإخلاص وأوسمة الشجاعة، وأن يحصد ذات مرة قيم التفوق القتالي، ولا عجب أن يظل مقاتلًا مناصرًا لمصلحة الإنسان. كما عرفه المجتمع العسكري والمدني على حد سواء بأنه رجل لا يشق له غبار، صادق مخلص في وطنيته، مترجمًا الحس الأخلاقي إلى سلوك وطني مشهود يلامس واقع الحياة.
