دعوني أتحدث عن المدينة، لا بوصفها جغرافيا صامتة، بل ككائنٍ حيٍّ إذا انكسرت هيبته اختلّ توازن الوطن بأكمله.فالمدن، والعواصم على وجه الخصوص، ليست حجارةً وشوارع، بل واجهة الدول، ومرايا كرامتها، وعنوانحضورها بين الأمم.وإن سقطت هيبة المدينة، سقط معها الشعور بالانتماء، وتداعَت الأطراف كما يتداعى الجسد حينيُصاب القلب.عدن ليست مدينة طارئة في الذاكرة، ولا بندًا عابرًا في خطاب سياسي.هي مدينة وُلدنا فيها، كبرنا على رصيفها، وتعلّمنا من بحرها معنى الاتساع، ومن ناسها معنى التعايش. لذلك لا أزايد عليها، ولا أحتاج إلى شهادة انتماء لها، فهي التي منحتنا الانتماء دون مقابل. ولست هنا لأتحدث عن عدن بلغة الوصاية، ولا بمنطق الانتقاص من الآخرين. فالمدينة، أي مدينة، ليست ملكًا لمن يدّعي احتكارها، ولا غنيمةً لمن يرفع صوته أعلى.المدن ملكٌ لمن سكنها بمحبة، واحترم ناسها، وصان روحها، لا لمن سكنها ليُلغي حق غيره فيها. عدن، هذه المدينة التي جمعت الطوائف والأعراق والأجناس، لم تسأل يومًا عن الأسماء قبل الوجوه، ولا عن الأصول قبل القلوب.احتضنت الجميع بدفئها، ووسعت الكل بسماحتها، ولم تُغلق بابها في وجه أحد. فكيف يُراد لها اليوم أن تُلبَس ثوب عنصرية لا يشبهها، ولا يمتّ لتاريخها ولا لأخلاق أهلها بصلة؟ دعوا عدن تقول كلمتها بنفسها.دعُوها تنفض عنها غبار الخطابات الضيقة، وأنفاس الكراهية المستوردة.اتركوها تتنفس هواء بحرها، وتغتسل بنقاء سمائها، وتشمّ رائحة ترابها الذي لم يكن يومًا شاهد زور في صراعٍ صغير.عدن المدينة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا صندوق بريد للرسائل الحاقدة. هي أكبر من أن تُختزل في خاف، وأعمق من أن تُستَخدم كأداة.من أحبّ عدن حقًا، دافع عن مدينتها، عن تنوّعها، عن حقها في أن تكون مدينة للجميع، لا سجنًا للأفكار،ولا متراسًا للكراهية.فالمدينة التي تحفظ كرامتها، تحفظ وطنها. وعدن، رغم كل ما أُنهكها، ما زالت تعرف كيف تقف شامخة، كما كانت دائمًا
عدن.. حين تكون المدينة ميزان الوطن
أخبار متعلقة
