نبض القلم
للضحك جذور اجتماعية، فنحن لا نضحك في حالة شعورنا بالعزلة، لأن الضحك بحاجة إلى صدى، وضحكنا دائماً ضحك جماعة، فقلما يضحك المرء إذا كان لوحده، ولو فعل ذلك لقيل إنه مجنون.والمجتمع هو البيئة الطبيعية للضحك، ونحن حينما نضحك من شخص ما إنما نفعل ذلك لنخرجه من دائرتنا الاجتماعية، أو ننزله من مرتبته التي وضعه فيها المجتمع لعيب فيه، فإذا حاول هذا الشخص الذي أخرجناه من دائرتنا الاجتماعية، أن يصلح العيب الذي فيه فإنه يعود إلى المرتبة التي وضعه فيها المجتمع، أي يرتفع إلى المرتبة الاجتماعية اللائقة به، أما إذا لم يصلح العيب الذي فيه فإنه يهبط إلى مرتبة اجتماعية دنيا، وهي المرتبة التي وضع فيها نفسه.فالضحك إذن كابح اجتماعي يرد الشخص الذي أخرج من دائرة المجتمع لسبب غفلته، أو لعيب فيه، فهو يرده إلى حظيرة المجتمع الذي أخرج منه، أي أنه نوع من التأديب. وهذا الإخراج أو الخفض يستند إلى اعتبارات أخلاقية صاغها المجتمع وتعارف عليها الناس، ففي كل فكاهة مضحكة إشارة إلى قيمة اجتماعية أو أخلاقية.وإذا نظرنا إلى بعض الفكاهات الشائعة في مجتمعنا اليمني لوجدناها تتسم بطابع السخرية والحط من الذين يحاولون الخروج عن قيم المجتمع والأخلاق السائدة فيه، ذلك أن المجتمع قد صاغ عبر تاريخه الطويل جملة من القيم والأخلاقيات التي صارت بمثابة قوانين نافذة لا يجوز خرقها، فإذا ما حاول الشخص خرقها أتت الفكاهة لتسخر منه. فالمجتمع مثلاً يريد من الشخص أن يكون في سلوكه وضوح، وفي شخصيته ثبات، بحيث لا يكون مزدوجاً ومتناقضاً، كالذي يتظاهر بالصلاح أمام الناس في حين أنه في حقيقته على خلاف ذلك، فهو يمارس في الخفاء ممارسات ينبذها المجتمع ويرفضها الناس لأنها تتنافى مع العرف الاجتماعي السائد. وفي هذه الحالة تأتي الفكاهة لتسخر منه وتنزله من مرتبته الاجتماعية العليا إلى مرتبة أدنى، بهدف دفعه لتقويم سلوكه والعودة به إلى الوضع الذي كان فيه موضع احترام الناس وتقديرهم.وكمثال على ذلك الطرفة الآتية:«كان لرجل عشيقة تأتيه كل ليلة إلى دكانه الواقع في قلب السوق، وتمكث عنده في الدكان إلى قرب أذان الفجر، ثم تنصرف عائدة إلى بيتها قبل خروج الناس للصلاة، وذات ليلة غلبهما النوم فلم يقوما إلا بعد طلوع الشمس، فلم تستطع الخروج من الدكان لكثرة الناس بجواره، فما كان من الرجل إلا أن يخرج رأسه من الباب ويصيح في جيرانه معاتباً إياهم لأنهم لم يوقظوه لأداء صلاة الفجر في وقتها، فقالوا: ما لنا عادة في إيقاظك، فقال: أعرف نواياكم، إنكم تريدون أن تكشفوني، فقالوا: والله، ما هذا قصدنا، ولا غرضنا أن نكشفك، ولو كان معك ما معك، ما تكلم أحدنا قط، فالتفت الرجل إلى المرأة قائلاً: «قد حلفوا.. يا الله أخرجي».فهذه الطرفة قد صيغت صياغة فنية ذكية لإضحاك الناس، فهي لم تنشأ من اللاوعي، وهي لم تكن لتزجية الفراغ، أو لتزيين جلسة، وإنما جاءت كوسيلة من وسائل تقويم السلوك وتهذيب الخلق، عندما تكون القوانين عاجزة عن القيام بدورها، وهو ما تعبر عنه الطرفة الآتية:«دفع رجل لآخر مبلغاً من المال لإغرائه بالشهادة زوراً، وقال له: أريدك أن تأتي معي إلى القاضي وتشهد أمامه أن لي عند فلان (جونية غرب)، فلما وقف الرجل أمام القاضي، سأله القاضي قائلاً: ما تشهد؟ فقال: أشهد بأن لهذا عند هذا (جونية دخن) فقال له صاحبه مصححاً: (لا، غرب) فالتفت الرجل نحوه قائلاً: يا أهبل، الدخن أحسن لك فسعره أغلى».وأسلوب السخرية واضح في هذه الطرفة، والذي يقترب من اللمز والتهكم من السلوك المشين الذي يرفضه المجتمع, بما يعني أن الطرفة اليمنية تعبير عن وجدان الشعب، وتصوير لمتطلبات الجماعة، وهي وإن لم تثر فينا الضحك فإنها تموت من تلقاء نفسها، فهي لذلك ترفع عن الإنسان هموم الحياة وما فيها من جدية، وتهون عليه عبء الحاضر، وتعده للمستقبل. وهي في كل الحالات بمثابة كابح اجتماعي.
