نبض القلم
منذ بزغ نور الإسلام في مكة المكرمة وقيام دولته في المدينة المنورة، كانت الوحدة هي الهدف الأول من رسالته بعد التوحيد، فكل التشريعات الإسلامية تدعو إلى الوحدة، وتعتمد عليها، حتى العبادات امتزجت طقوسها بالوحدة، والقرآن الكريم يقرر أن المسلمين أمة واحدة، قال تعالى: ( وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ).ولقد قامت هذه الوحدة على أصول واستقرت على دعائم، واستندت إلى منطق وأصول قانونية لا يمكن تجاهلها أو ردها. وأول هذه الأصول أن الإنسانية كلها من أصل واحد وهو آدم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) وهو ما حرص الإسلام على تأكيده لتسود البشرية المحبة والسلام، وتضمها الوحدة الإنسانية، وتجمعها صلة الأبوة الحانية.والأصل الثاني: وحدة العقيدة، فالمسلمون جميعاً موحدون، يؤمنون بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، ويعبدون الله وحده لاشريك له، وهذا الأصل من المبادئ التي تتصل اتصالاً وثيقاً بالفطرة الإنسانية ومنطق العقل وحقائق الوجود، وهو عماد الروحانية الصافية التي تترفع عن الدنايا ولا تخضع إلا لله، ولا تعبد أحداً سواه. وآيات القرآن الكريم تهتف بالوحدة، وعباراته تنادي بها، قال تعالى: ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ). ومما لاشك فيه أن وحدة العقيدة تقرب أحاسيس الناس وتوحد مشاعرهم. والأصل الثالث: وحدة الصفات والسمات والخصائص التي توجب المساواة بين الناس، من دون النظر إلى أجناسهم وألوانهم وأشكالهم وصورهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي ولاعجمي إلا بالتقوى ). ونجد هذا الجانب يلمع بريقه في القرآن الكريم في قوله تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) . ولعل هذا الأصل الإنساني من أهم أسباب الوحدة، فهو يذيب الفوارق الكونية ويلغي العنصرية بين بني آدم، وتؤكد الشواهد أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحترم الإنسانية في وجودها المطلق، ويسوي بين أبنائها تسوية عادلة، فهو لا يعترف بفوارق الألوان أو تباين الأجناس. الأصل الرابع : وحدة العبادة، سواء في أصلها العام وهو ما نسميه الفرائض، والتكاليف، أو في أصلها الخاص المتمثل في الصور التي تؤدى بها العبادات، فصفة الشهادتين واحدة، ومواقيت الصلاة واحدة ، وعدد الصلوات والركعات واحد، ومواقيت الصيام وعدد أيامه واحدة، فهي لا تختلف بين شخص وآخر، أو بلد دون الآخر، ومقادير الزكوات التي تدفع عن الثروات واحدة، بل وثابتة، لاتتغير بتغير الأمكنة والأزمنة، وموعد الحج ومناسكه لاتتغير أو تتبدل بتبدل الأشخاص أو الأحوال، بل ثابتة وواحدة، وكذا الحال في الأعياد الإسلامية، فهي تشمل ببهجتها المسلمين جميعهم، وتعم بمسرتها الصغير والكبير، والغني والفقير، والذكر والأنثى، وتربطهم جميعاً روابط المحبة وتضمهم السعادة الغامرة. وفي صلاة الجمع والجماعات تزداد الروابط وتتعزز الصلات، وفي الجلسات المسجدية الروحانية تنشرح النفوس، وترتاح الأفئدة، خاصة وهم يتجهون جميعاً إلى قبلة واحدة. وفي موسم الحج المبارك تتجلى الوحدة باسمى مظاهرها على سفح عرفات، وينتظم عقدها في تلك الأرض الطاهرة حين تشهد التقاء الناس على صعيد واحد، لغاتهم متعددة، وألوانهم مختلفة، وأشكالهم متباينة، لكن غايتهم واحدة، ومشاعرهم متجانسة وقلوبهم مؤتلفة، كلهم يتنسمون أريج الوحدة، ويتنفسون عبيرها ، ويتعلمون في مدرسة الحج دروس الوحدة، إنها مدرسة إلهية، ومؤتمرات سنوية يلتقي فيها الناس على الطاعة، وتتقارب طباعهم على المحبة، وتتجاذب نفوسهم على المودة والسلام، وهكذا فإن العبادة في الإسلام تعبد طريق الوحدة، وتجمع الأمة على أهداف مشتركة يعملون جميعاً لتحقيقها في حياتهم الدنيوية. ولعل أقوى العوامل أثراً في وحدة الأمة الإسلامية هو القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين نزل به الروح الأمين وهو الكتاب الجامع لأحكام الدين وشريعة الإسلام.ونستدل مما سبق أن الوحدة هي الغاية التي يرمي إليها الإسلام، وجاءت رسالة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم لتجسدها عملياً في سلوك المسلمين، بما يعني أن الفرقة والتشرذم ليست من خصائص الإسلام ولا هي من سمات المسلمين، فإذا كنا مسلمين حقاً علينا أن نتمسك بالوحدة، ونعمل على تجسيدها عملياً في سلوكنا، وفي واقع حياتنا، فالتمسك بالوحدة بقدر ماهو مسؤولية وطنية هو أيضاً واجب ديني. [c1] خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
