نبض القلم
الحظ في اللغة بمعنى النصيب والبخت والحظا هو السير بتؤدة أو المشي رويداً، والحُظوة “بضم الحاء”: علو الشأن والمكانة بين الناس والحظوة “بفتح الحاء”: ما لا ريش له من السهام، أي الضعيف.والحظا “في العامية اليمنية”: الجد والاجتهاد لجلب الرزق، ومن أمثال التجار في بلادنا “الحظا جلاب” أي أن بذل الجهد في توفير السلع المطلوبة في وقتها يجلب الرزق.والناس في مجتمعنا اليمني يتفاوتون في تعاطيهم مع هذه المصطلحات الثلاثة، ويختلفون فيما بينهم بسبب انجذاب كل منهم إلى أي منها.فمن الناس من يرى أن الدنيا حظوظ، وأن من يواتيه الحظ ينجح في حياته ويعيش فيها سعيداً، في حين أن من يجانبه الحظ كثيراً ما يفشل في الحياة، ويعيش فيها شقياً.فنحن قد نرى أو نسمع عن تاجرين أحدهما تعلم علم الاقتصاد والتجارة، وعرف قانون العرض والطلب، وتقلبات الأسواق، ومهر في فن الإعلان والدعاية، ومع ذلك نراه غير موفق في التجارة في حين نرى زميله الذي ربما يكون أمياً موفقاً كل التوفيق، فاكتسب ثروة طائلة. وعندنا في مجتمعنا أمثلة كثيرة لآباء كانوا جهلة ولكنهم كانوا ناجحين في تجارتهم وأعمالهم، ثم جاء أبناؤهم من بعدهم ممن تلقوا قسطاً من التعليم الجامعي أو العالي فلما تولوا مقاليد الأمور، وحلوا محل آبائهم في العمل التجاري أخفقوا وفشلوا فيها فشلاً ذريعاً إن لم يكونوا قد أضاعوا ثروة آبائهم وبددوها. وإذا سألت عن السبب في نجاح هذا وإخفاق ذاك قالوا: إنه الحظ خدم الأول وخذل الثاني.ولقد أكد هؤلاء على دور “الحظ” وتجاهلوا دور “الحظا” في مسألة النجاح والفشل، تجاهلوا أو تناسوا أن سبب نجاح الأب في التجارة وإخفاق الابن، إن الأب تعلم من تجارب الحياة أن هناك علماً غير الذي في الكتب، في حين أن الابن اعتقد خطأ أن العلوم النظرية التي تعلمها كفيلة بنجاحه وتفوقه.تجاهل هؤلاء أن الأب تعلم من الحياة كيف يعامل الناس بالحسنى، وكيف يستميلهم إلى بضاعته، في حين أن الابن أساء التعامل مع عملائه، ونفرهم من بضاعته أو خدماته.وتجاهل هؤلاء أن الأب تعلم من الحياة ألا يوسع في تجارته إلا على قدر رأس ماله، ولا ينفق على نفسه وعلى أسرته إلا ما هو أقل من ربحه، في حين أن ابنه المغرور بعلمه، لم يسع سعي أبيه في التجارة، أي أنه كان ينقصه “الحظا” فلم يجد في عمله كما فعل أبوه، ولم يتعب كما تعب، كما لم يحسن معاملة الناس كأبيه، ودفعه غروره إلى أن يتوسع في التجارة أكثر مما تتحمله ثروته التي ورثها عن أبيه، بل عمد إلى زيادة مصروفاته، فأنفق على شهواته وملذاته أموالاً كثيرة، وأحاط نفسه بقرناء السوء الذين زينوا له كل قبيح من الفعال، وشوهوا كل جميل من الخصال فكانت النتيجة أن نجح الأب وأخفق الابن.وكان الأب بسبب نجاحه قد لقي “حُظوة” في مجتمعه وزادت مكانته بين الناس، في حين أن الابن لم يلق إلا “حظوة” فضعف شأنه، وتضاءلت مكانته، فلم يعد يقوى على المنافسة في سوق التجارة الذي لا مكانة فيه للضعفاء، ولم يعد باستطاعته الصمود أو الانطلاق فأخفق، فمثله في ذلك كمثل السهم الذي فقد ريشه ولم يعد قادراً على الانطلاق نحو الهدف، فهو قد نال الحظوة “بفتح الحاء لا بضمها” وإذا تكرر فشله يسمى الشقي الذي لا حظ له، ولا نصيب في الخيرات المادية، إما لكسله أو لضعف همته، أو قلة طموحه، أو لعدم قدرته على مواجهة صعاب الحياة ومتاعبها فهو سرعان ما يفشل أو يتوقف عن السير متصوراً أنه شقي شقاء أبديا لا حظ له في الحياة، ولذلك تراه كمن يصف حاله قائلاً:إن حظي كدقيق بين شوك نثروهثم قالوا: لحفاة وقت ريح اجمعوهصعب الأمر عليهم، قال قوم اتركوهإن من أشقاه ربه، كيف أنتم تسعدوه [c1]خطيب جامع الهاشمي بالشيخ عثمان[/c]
