نبض القلم
إن قانون الحياة يقتضي أن تكون هناك علاقات بين الإنسان وغيره، وأهم هذه العلاقات هي العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين الناس، وهذه العلاقة تقوم على التزامات كل طرف نحو الآخر، وهي باعتبار أدائها للغير تسمى واجبات، وباعتبار استحقاقها لدى الغير تسمى حقوقاً.والحقوق والواجبات متلازمتان تتوقف إحداهما على الأخرى، وذلك في أغلب الحالات، وبصور متفاوتة. والناس بالنظر إلى الحقوق والواجبات صنفان:ـ صنف يركز اهتمامه على الحقوق، فهو يطالب بحقوقه، ويشغل أكثر أوقاته في التفنن للحصول عليها، متجاهلاً النظام الاجتماعي القائم على تبادل الالتزامات والمنافع.ـ والصنف الآخر هو الذي يركز على الواجبات، فهو يؤدي واجباته كأمر ملزم به، ويبرئ ذمته بالقيام بواجباته، أما ما يقابلها من حقوق فهو إما مترقب لها أو غافل عنها، وهو في الحالتين من ذوي القدر والمكانة، وهو من الأشخاص المثاليين الذين يريحون ضمائرهم، ويسعدون بأداء واجباتهم على النحو المرضي.ومما لا شك فيه أن الصنف الذي يركز اهتمامه على الحقوق فقط صنف شقي، وهو يشكل عاملاً من عوامل القلق في المجتمع، وعاملاً مساعداً لزرع الفتنة فيه. أما الصنف الذي يركز على الواجبات فهو سعيد لأنه يشعر أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ويحس في قرارة نفسه أن حقه لن يضيع، وأن مكافأة قيمة تنتظره.ومعلوم أن قانون العدل الإلهي يقضي بحرمان العبد من حقه لدى ربه، إذا لم يؤد الواجبات التي عليه، فإن أعطاه الله فهو ابتلاء، بدليل قوله تعالى:” ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين” (آل عمران، 178).ومعلوم كذلك أن التسوية بين المجدين والمقصرين خروج على منطق التعامل ويتناقض مع قانون العدالة الإلهية. والله تعالى يقول:” أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار” (سورة ص، 28).ومعاملات الناس مع بعضهم بمقتضى العدالة الإلهية تستوجب أن يوجد نوع من التوازن بين الحقوق والواجبات، فكل حق لابد أن يقابله واجب، والسعي إلى الحق بدون أداء الواجب يعتبر نوعاً من الطمع غير المستحب، لأن الحق مقترن بالواجب، وبمقتضى ذلك فإن أي إنسان يطلب حقاً لابد له أولاً أن يؤدي ما عليه من واجب، فإن لم يؤد الواجب الذي عليه فلا حق له.ومن المؤسف حقاً أن بعض الناس في مجتمعنا يلحون في المطالبة بحقوقهم، ولكنهم قلما يؤدون ما عليهم من واجبات، ولذلك لا غرابة أن نرى أشخاصاً حصلوا على حق دون أداء الواجب، أو أنهم نالوا حقوقاً كان غيرهم أولى بها. وهذا يعتبر نوعاً من السرقة أو الغصب أو النهب أو الزور أو ما شابه ذلك.إننا في مجتمعنا اليمني يدفعنا طموحنا ـ أحياناً ـ للمطالبة بأشياء كثيرة تنقصنا، وذلك من حقنا، وربما نسعى جاهدين للحصول على حقوقنا من الدولة، غير أننا حينما نطالب بأداء الواجبات الملقاة على عواتقنا نتخاذل أو نتقاعس أو نتكاسل، وربما يركن بعضنا إلى البعض الآخر، إن من حقنا مثلاً أن نعيش في وطننا أحراراً مستقلين، آمنين ومستقرين، ومطمئنين على حياتنا غير قلقين على مستقبلنا، ولكن هذه الحقوق مقترنة بمدى حبنا للوطن وما يسهم به كل واحد منا في الحفاظ على الأمن والاستقرار.وإذا كان من حقنا أن يكون في مقدورنا إبداء الآراء في القضايا المتعلقة بحياتنا، فإننا في الوقت ذاته مطالبون بعدم إثارة النزعات العشائرية والقبلية والمناطقية، والوقوف بصلابة ضد دعاة الفتنة وأعداء السلام الاجتماعي. وإذا كان من حقنا أن نتثقف ويتعلم أطفالنا حتى لا يبقى أحد في المجتمع فريسة للجهل والتخلف والمرض، فتتعطل المواهب وتضعف القدرات ويقل الإبداع، فإن من واجبنا كمواطنين أن نسهم في بناء المدارس والحفاظ عليها والعمل على تطوير أدائها. وإذا كان من حقنا الحصول على الرعاية الصحية الأولية، وعلى الخدمات الدوائية والعلاجية، بأسعار مناسبة أو مجانية فإنه من واجبنا العمل على نظافة البيئة، ومقاومة الأوبئة والحشرات الضارة، والتجاوب مع حملات التطعيم المتكررة، ونحو ذلك.إن حقوقنا كثيرة، غير أن واجباتنا أكثر، لذا يقتضي واجب المسؤولية الاجتماعية الموازنة العادلة بين الحقوق والواجبات.[c1] خطيب جامع الهاشمي - الشيخ عثمان[/c]
