أطياف
السياسة هي فن تحقيق الممكن ، ومن أجل تحقيق هذا الهدف يتبارى القادة السياسيون في الاحزاب والحكومات من أجل الفوز بالحكم والنجاح في البقاء على كراسي الحكم فترة أطول من خلال تحقيق ما يمكن تحقيقه من هذه البرامج والوعود بل والاحلام علما بأن الأحلام عند السياسيين تدخل في نطاق ما يعرف في علم النفس بأحلام اليقظة .بعض السياسيين والحكام ينجحون في تنفيذ اهدافهم ، والبعض الآخر يفشل بل ويلحق الكوارث بالشعوب ويفترف الجرائم والمظالم ن وهنا يلجأ البعض الى الاعتذار والاعتراف بالخطأ والانسحاب تاركا ً المجال لغيره من أصحاب البرامج الأفضل ،بينما يلجأ البعض الآخر الى التجبر والعناد والاستمرار في الخطأ والظلم وإلحاق الأذى بالآخرين . من المعروف أن السياسة لا توجد فيها مقدسات وأخلاق ولا توجد فيها مثل بل فيها مصالح فبإمكان السياسي أن يكذب وأن يناور وأن يزايد وأن يناقص وأن يكون ظالما أو عادلا أومستبداً أو ديمقراطيا .على النقيض من ذلك فإن الدين مطلق ويدخل في دائرة المقدس واليقين ، ولا يمكن أن يكون الدين حقل اختبار للبرامج السياسية والقادة السياسيين .ولهذا فالمشتغل في السياسة يمكن أن يكذب ويناور ويحتال وينافق لأن ذلك مشروعاًً طالما أن السياسة ليست في نطاق المقدس وتدخل في نطاق النسبية . فإذا كذب رجل السياسة وناور فانه قد يسقط من عيون ناظريه ويفقد ثقته في سياساتهم وافكارهم ، وسيكون بمقدور ضحاياه ان يختاروا غيره من السياسيين والسياسات والبرامج السياسية عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع وقد يعبرون عن رفضهم للبرامج والسياسات التي ظلمتهم والحقت بهم الضرر والخسران عبر المظاهرات والاحتجاجات والمقالات والخطابات ، وهذا شئ طبيعي ، يجوز مع تالسياسة لكنه لا يجوز مع الدين تاذي ينبغي ان يكون دائما في دائرة المقدس والمطلق . صورة رجل الدين شئ أخر ، فهي يجب أن تكون مرآة لتعاليم الدين وقيمه ومقاصده . ولكن حين يكذب رجل الدين ويلجأ الى التدليس والتلبيس عند مزاولة العمل السياسي وخلط الدين بالسياسة ، فان الضرر يعود إلى الدين مباشرة . ومن أن اجل أن تبقى صورة رجل الدين نقية وطاهرة ، يتوجب على رجال الدين ان يبتعدوا بالدين عن أكاذيب السياسة ومناوراتها وأكاذيبها ودهاليزها وأنفاقها المريبة ،. فلا يجوز للدين ان يكون مجال اختيار معروضا امام الناخبين ومباريات الدعاية الانتخابية ، ولا يجوز للناس أن يتظاهروا ضد أفكار وبرامج سياسية فشلت والحقت ضررا بالناس بعد ان قدمها رجال الدين السياسيون باسم الدين وضللوا الناس عندما زعموا انها تمثل صحيح الدين ، وانهم يعملون في الدنيا من أجل حراسة الدين والدفاع عن حقوق الله !! هذه الافكار حاصرتني وانا أشاهد منظر اعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين وهو مشهد سياسي بامتياز . وشعرت بالانزعاج للهتافات الدينية وترديد عبارات الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ، وهو تدليس بائن ما كان ليحدث لولا الخلط بين الدين والسياسة والافراط في ممارسة السياسة باسم الدين، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ان الطائفية هي المولود الشرعي للخلط بين الدين والسياسة، وأن الحروب المذهبية وحروب ملوك الطوائف في التاريخ العربي الاسلامي والأوربي المسيحي كانت نتاجاً طبيعياً للدولة الدينية!!لقد أصبح مألوفا رؤية أصحاب العمائم في دهاليز السياسة منذ قيام الثورة الايرانية الخمينية ، حيث تكررت مشاهد الملالي واصحاب العمائم من مختلف المذاهب السياسية والدينية في خوض غمار السياسة والاستغراق في أكاذيبها ومناوراتها . كما اصبح مألوفا بعد الاحتلال الاميركي للعراق رؤية عمامة عبدالعزيز الحكيم ومقتدى الصدر ومساعديهم الى جانب عمائم الساسيين من اهل السنة ، بالاضافة الى سماع أصوات أمراء المجاهدين الذين يتحدثون عبر شرائط صوتية ومصورة من خلال القنوات الفضائية والانترنت عن قطع الرقاب وإحياء سنة الذبح ، حيث لا فرق بين العمامة الشيعية والعمامة السنية في ميدان الصراع السياسي الدموي المتلبس بالطائفية . إذا كان الكذب أمرا ً مشروعا للسياسيين وغير مشروع لرجال الدين فان القتل غير مشروع لهم جميعا ً ً ، سواء ارتدى كل منهم عمامة شيعية او سنية أو كرافتة فرنسية او انجليزية !! فالكذب مضافا إلى القتل بالنسبة للسياسين يعرضهم للسقوط الأخلاقي في حالة الكذب وللمحاكمة في حالة القتل ولفقدان ثقة الناخبين في كل الحالات . وحين يكذب السياسي يكون منحطا أخلاقيا وفاقدا للمصداقية ويتم التعامل معه عبر صندوق الانتخابات . كما أنه يصبح مجرما ًعندما يلجأ الى القتل بدواعي السياسة ومصالحها . لكن الصورة تبدو أكثر خطورة حين يشتغل رجال الدين في السياسة باسم الدين فيضطرون إلى الكذب والمناورة والاستبداد والحاق الأذى بالآخرين ، لأنهم يسيئون الى أنفسهم أولا والى الدين ثانيا وهذا ما يجب أن يربأ به رجل الدين النزيه .لهذا عندما يمارس أصحاب العمائم الدينية ( السنية والشيعية ) مختلف أشكال الحيل السياسية والتدليس السياسي باسم الدين ، ويقتلون ويذبحون باسم الدين ، فإنهم يدخلون في فصيلة المجرمين والقتلة وسافكي الدماء . ويكون الدين منهم براء.. ويكون الدين أيضا براء من السياسة التي يجب علينا فصل الدين عنها ن وتنزيهه منها ومن ألاعيبها وأكاذيبها ومناوراتها وحيلها .. والله من وراء القصد .
