نبض القلم
وقعت عيناي وأنا أقرأ العدد الخاص من السنة العشرين من مجلة (لواء الإسلام) المصرية الصادرة في غرة محرم 1386هـ الموافق 22 إبريل 1966م، على بعض من حكم القدماء التي رأيت أنها لا تزال صالحة في أيامنا المعاصرة، لما فيها من نصائح ومواعظ تنبئ عن خبرة في الحياة، وتجارب معاشة وقد جاءت على لسان الراوي أو الحكيم (بزرجمهر) قال فيها : نصحني النصحاء، ووعظني الوعاظ، فلم يعظني مثل شيبتي، ولم ينصحني مثل خبرتي. وعادتني الأعداء، فلم أر أعدى إليّّ من نفسي إذا جهلت. وزهمتني المضايق، فلم يزهمني أكثر من سوء الخلق. ووقعت من أبعد البعد وأطول الطول فلم أقع من شيء أضرّ عليّ من لساني. ومشيت على الحجر، ووطئت على الرمضاء، فلم أر ناراً أحر عليّ من غضبي إذا تمكن مني. والتمست الراحة لنفسي، فلم أجد لها أروح من ترك ما لا يعنيها. وركبت البحار، ورأيت الأهوال، فلم أر أهول من الوقوف على السلطان الجائر. وتوحشت في البرية والجبال فلم أر أوحش من القرين السوء.وأكلت الطيب، وشربت الشراب، وعانقت الحسان، فلم أر ألذ من العافية. وعالجت السباع والذئاب، وعاشرتها وغالبتها فغلبتها، وغلبني صاحب الخلق السوء. وأكلت الصبر، وشربت المر، فلم أر أمرّ من الفقر. وشهدت الزحوف، وباشرت السيوف، وسايرت الأقران، فلم أر قريناً أصعب ولا أغلب من المرأة السوء. وعالجت الحديد، ونقلت الصخور، فلم أر حملاً أثقل من الدين. ونظرت فيما يذل العزيز، ويكسر القوي، ويضع الشريف، فلم أر أذل من ذي فاقة أو حاجة. وطلبت الغنى على وجوهه، فلم أر أغنى من القنوع. وتصدقت بالذخائر فلم أر صدقة أنفع لصاحبها من رد ضلالة إلى هدى. وشيدت البنيان لأعز به وأشرف وأذكر، فلم أر شرفاً أرفع من اصطناع المعروف. ولبست الكسوة الفاخرة، فلم ألبس مثل الصلاح. وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أر شيئاً أحسن من حسن الخلق.ومثل هذه الحكم جديرة بالوقوف عندها بتأمل وتدبر، ففيها من التجارب والأفكار ما فيها.[c1] *خطيب جامع الهاشمي بالشيخ عثمان[/c]
