نبض القلم 1 ــ 2
من الظواهر السلبية التي برزت في مجتمعنا اليمني ظاهرة تسرب الأطفال من المدارس ، ولجوئهم إلى الشارع إما للعمل أو التسول أو التشرد ، وقد بينت بعض الإحصائيات المتعلقة بمحافظة عدن وحدها أن نسبة 29 % من الأطفال الملتحقين بالتعليم الأساسي قد تسربوا منه، أي أنهم تركوا الدراسة ، وتشير الإحصاءات التي أجريت عن التسرب في محافظة عدن إلى أن عدد الملتحقين في المدارس من الفئة العمرية 6 - 14 في العام الدراسي 2006 - 2007م بلغ 136,695 تلميذاً تسرب منهم خلال العام الدراسي نفسه 39683 تلميذاً بنسبة تسرب قدرها 29 % وتشير الدراسة إلى أن أعلى نسبة للتسرب نجدها في مديرية الشيخ عثمان 34,9 % تليها مديرية دار سعد 30,4 % ثم مديرية صيرة 29,7 % ومديرية المعلا 28,7 % ومديرية المنصورة 28,6 % ثم مديرية خور مكسر 27,9 % ومديرية التواهي 24,4 % وأقل نسبة تسرب نجدها في مديرية البريقة 22,4 %.ومصدر هذه الإحصاءات التقرير التحليلي الأولي للتعليم من منظور النوع الاجتماعي ، محافظة عدن ، وبحث تقييم اتجاهات وضعية طلاب مدارس التعليم الأساسي في محافظة عدن للدكتور بدر صالح العبيدي.وقد نجم عن هذا التسرب وغيره بروز ظاهرة أطفال الشوارع التي نراها تطل برأسها في حارات و شوارع وأزقة مدينة عدن وغيرها من المدن اليمنية ، والمتمثلة في وجود أطفال يفترشون الثرى ويلتحفون الشمس ، ينامون على الأرصفة أو في الحدائق العامة أو عند مداخل المساجد ، لظروف عائلية غير سوية أجبرتهم على ترك الدراسة ، واللجوء إلى الشارع هروباً من معاناة نفسية وضغوط اجتماعية لم يستطيعوا التكيف معها ، فأصبح الشارع بالنسبة لهم ملاذاً آمناً يحتمون فيه من بيئة منزلية حرموا فيها من حقوقهم المعترف بها شرعاً وقانوناً.وإذا بحثنا في الأسباب التي أدت إلى تسرب الأطفال من المدارس ، ومن ثم تشردهم في الشارع أو اضطرارهم إلى العمل في ظروف صعبة ولساعات طويلة ما يعرضهم للإيذاء البدني والجنسي فإننا نرى وجود عدة عوامل أجبرت الأطفال على ترك المدارس واللجوء إلى الشارع إما للتسول أو للعمل ، وأهم تلك العوامل ما يلي:1. العامل الاقتصادي: حيث شهد المجتمع اليمني في مرحلة ما بعد الوحدة المباركة تغييرات سريعة شملت مختلف جوانب الحياة بما في ذلك الحياة الاقتصادية ، حيث تبنت الدولة سياسة الانفتاح الاقتصادي ، والتي على أثرها اتجهت الدولة لتشجيع القطاع الخاص ، ورفع الدعم عن السلع ، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار فأدى ذلك إلى انتشار الفقر في كثير من الأسر ولما كانت كثير من الأسر تعيش دون مستوى خط الفقر، فقد أدى ذلك إلى جعل الوالدين في بعض الأسر يدفعون أبناءهم إلى ترك الدراسة واللجوء إلى التسول أو الاشتغال ببيع بعض السلع الهامشية طوال اليوم لمساعدتهم ، وفي بعض الحالات تقسو الأسر على الطفل فتجعله يهرب إلى الشارع ، وفيه يتعرض لمختلف أساليب الاستغلال والعنف والانحراف ، وكثيراً ما يتعرض هؤلاء الأطفال لبعض المخاطر التي تؤثر في مستقبل حياتهم ، وخاصة إذا ما أختلط بعضهم بأصدقاء السوء ، أو التقوا بأشخاص عديمي الضمائر فيوجهونهم للاشتغال بأعمال غير قانونية أو يعودونهم على سلوكيات غير سليمة.2. نمو وانتشار التجمعات العشوائية : إذ تعتبر التجمعات العشوائية في محافظة عدن وغيرها عاملاً أساسياً لدفع الأطفال إلى التسرب من المدارس ، ذلك لأن غالبيتهم يولدون ويعيشون في هذه التجمعات / مما يستوجب إعطاء عناية خاصة لتطوير هذه التجمعات العشوائية والعمل على الحد من اتساعها ، وذلك أن المستوى الردىء لغالبية مساكن المناطق العشوائية ،وضيق شوارعها وتعرجاتها نتيجة البسط العشوائي على الأراضي ، أدى إلى افتقار نسبة كبيرة من المساكن لعشوائية إلى المرافق الخدماتية الأساسية كالمياه والمجاري والكهرباء ، وعدم وجود احتياطات لمواجهة المشكلات الطارئة كالحريق وانتشار الأوبئة وتكدس القمامة وعدم النظافة ، كل ذلك من شأنه أن يؤدي إن لم يكن قد أدى إلى أن يصبح بيت الأسرة بيئة منفردة للطفل ، وبالتالي يكون الشارع أفضل منه بالنسبة لبعض الأطفال ، خاصة عند زيادة الكثافة السكانية ـ أو عند تكدس أكثر من أسرة في المسكن الواحد.3. الوضع الاجتماعي للأسرة : حيث تلعب الظروف الاجتماعية لبعض الأسر دوراً كبيراً في انتشار ظاهرة أطفال الشوارع حيث تقوم الأسرة بإكساب الطفل بعض سلوكياتها الخاطئة ، أو تورثه إياها عن طريق تعويده على أنماط من الأفكار والسلوك والقيم وأساليب التربية والمعاملة غير المستحبة ، فلا يستطيع التخلص منها بسهولة ، فيشب عليها حتى تتغلغل في مكونات شخصيته ، وينتمي عادة أطفال الشوارع إلى أسرة تعاني من انخفاض الدخل وتدني مستوى التعليم ، وافتقار إلى الوعي التربوي والصحي ، وقصور في الرعاية الاجتماعية ، فينعكس ذلك سلباً على الطفل ، فتقل تطلعاته ، ويتضاءل طموحه ، فيكون عرضة للانحراف نتيجة للحرمان والرغبة المتزايدة في إشباع حاجاته . كما أن انخفاض المستوى التعليمي للوالدين ـ، وارتفاع نسبة الأمية يؤدي إلى عدم وعي الأسرة بأهمية التعليم ما يجعلهم لا يكترثون بالتعليم ، ولا يقلقون إذا ما ترك أبناؤهم المدرسة ولجؤوا إلى الشارع . يضاف إلى ذلك ى أن كبر حجم الأسرة وضيق المسكن نتيجة الفقر قد يؤدي إلى الرغبة أحياناً إلى إبعاد الطفل عن البيت لفترات طويلة ، فيكون الملاذ هو الشارع.4. تفكك الأسرة: ليس بخاف أن التفكك الأسري يؤدي إلى مشكلات كثيرة تدفع بالطفل أحياناً إلى الهروب منها إلى الشارع لأنه يكون قد فقد الحنان الأبوي ، وافتقر إلى رعاية الوالدين أو أحدهما ، فينتابه شعور بالنقص والحرمان ما يدفعه إلى الانحراف ، والبحث عن بيئة أخرى غير بيته الذي لم يجد فيه الأمان، ولعل ذلك هو ما يدفع كثيراً من الأطفال إلى ترك الدراسة ، بعد هروبهم من أسرهم دون عودة ، ويفضلون عندها التسول في الشوارع بحثاً عما يسد رمقهم ، بدلاً من العودة إلى بيوتهم التي لا يجدون فيها الأمان والرعاية.تلكم هي بعض الأسباب المؤدية إلى انتشار ظاهرة أطفال الشوارع وهي بحاجة إلى معالجات جادة للحد من تأثيراتها على المجتمع عموماً وعلى الأطفال خصوصاً ، وهو ما يتطلب تضافر جهود جميع أفراد المجتمع ومؤسساته.ولقد لعبت جمعيتا الطفولة الآمنة وحقوق الطفل في محافظة عدن دوراً لا يستهان به في الاهتمام بهذا الجانب من خلال مساهمتهم في التوعية والتوجيه للحد من انتشار ظاهرة تسرب الأطفال من المدارس.[c1]* خطيب جامع الهاشمي - الشيخ عثمان[/c]
