غضون
* تقديس الماضي الذي لا قداسة له أصلاً، الغرض منه احتقار الحاضر والتهوين من شأن المستقبل، وهذه النزعة لدى الماضويين تعبر عن حالة نفسية مرضية.. ويتم عكسها في الخطاب الديني وفي الكتب المدرسية أيضاً لتهز ثقة الناس في حاضرهم ومستقبلهم مشدودين إلى الماضي، حيث يوجد هناك رأسمالهم من شتى صنوف الأشياء الرائعة.. السلف الصالح والقدوة والأمجاد وأشياء أخرى.. ولذلك لا غرابة أن تجد أحدهم يقبح الحاضر ويشكك في المستقبل بكل بسالة فإذا شككت في شيء من التاريخ أو صححت خطأ بشأن أسطورة «السلف الصالح» استفز وتحول إلى ثور هائج حمية لذلك السلف الصالح رغم أن كتب السير والتفاسير والأحاديث والتاريخ القديمة تحتوي على شهادات ومرويات تؤكد أن ذلك السلف ليس كله صالحاً، وأن بعض نسائه ورجال المشاهير والمقدسين في كتبنا المدرسية والخطاب الديني ليسوا صالحين ولا قدوة في جزء من حياتهم الشخصية على الأقل.* ليس من الموضوعية ولا من الإنصاف ولا من التربية النفسية والعقلية والسلوكية إبراز الجانب النقي عن الصورة وإخفاء الجانب الآخر لإرضاء غرور الفرحين برأسمالهم القديم، والذي هو في الحقيقة لم يفدهم في شيء.«السلف الصالح» ليس كله صالحاً.. ونسبة الصالحين في مجتمع المسلمين اليوم أعلى مما كانت عليه في الماضي.. لا نقول ذلك من باب حرصنا على تنمية ثقة الناس بأنفسهم فحسب، بل ولأن ذلك «السلف» قد ترك لنا في آثاره ما يدل على أنه مجتمع بشري فيه كثير مما ليس بصالح.نتكلم عن نزاهة «السلف» بالمطلق بينما رسل وولاة عزلوا بسبب أكلهم من بيت مال المسلمين بطريقة غير مشروعة.* الشواهد على مثل هذا كثيرة وهي محكية في كتب أهل السنة أنفسهم وليس في كتب خصومهم.. ولا أقصد من هذا الذي قلته سوى الدعوة إلى خطاب متوازن يعرف المخاطبون من خلاله أن حكاية «السلف الصالح» ليست صحيحة بالمطلق، وأن الماضي ليس مخزناً للفضائل وأن الحاضر أفضل من الماضي وأن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر من كافة النواحي.. فقط علينا أن نثق بأنفسنا وأن لا نستخدم خطايا اليوم لتقديس «سلف» كثير الخطايا، ولا يصلح أن يكون محلاً لنضال من أجل استعادته إلا من حيث ما فيه من أمثلة تحرك كوامن الاعتزاز والثقة بالنفس والتحرر من العبودية العقلية واحترام العقل وكرامة الإنسان والتوق إلى التعبير وإعمار جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.
