غضون
* كنت أقرأ لإحدى الجماعات الدينية الأصولية تصريحات وبيانات يدعون فيها إلى إعادة “الخلافة الإسلامية” فقلت لعل القوم يزايدون، فلما وقعت على وثيقة عملهم الأساسية أو برنامجهم السياسي، وجدت أنهم جادون فيما يدعون إليه، وأن استعادة “الخلافة الإسلامية” مهمتهم العملية رقم واحد .. فيا لهم من ممازحين! تصوروا تياراً صغيراً في الحركة الإسلامية يريد إقامة خلافة إسلامية تشمل كل بلدان العرب والمسلمين دفعة واحدة، وربما استعادة إسبانيا أيضاً إلى السلطنة العظمى التي يريدون إقامتها.* ترى لماذا يشغل هؤلاء أنفسهم ويشغلون آخرين معهم في قضية يعد الاشتغال بها اليوم ضرباً من تزجية الوقت ليس غير .. وأي نظام حكم كهذا يمكن تطبيقه في عالم يحترم نفسه، وفي عصر يستحيل تطبيقه فيه .. وأي نظام خلافة؟ هل على غرار الخلافة الراشدة أو الخلافة الأموية أو العباسية أو الفاطمية أو العثمانية؟.ڈ في الأساس لا يوجد في الإسلام نظام حكم محدد .. لأن هذه من المسائل الدنيوية التي ترك أمرها للناس يقررون فيها ما يناسبهم حسب الزمان والمكان .. ولو رجعنا إلى تاريخ الخلافة الراشدة سنجد أن كل خليفة من الخلفاء الأربعة تولى الحكم بطريقة مختلفة .. أحدهم بالوصية والثاني بالاختيار من قبل نخبة وآخر بالغلبة .. ولاحقاً صار الحكم وراثياً .. ما يعني أنه لا يوجد نظام حكم محدد في الإسلام ولم يستقر أي نظام عبر تاريخ المسلمين .. باستثناء النظام الديمقراطي الذي يسود اليوم وهو يمثل خلاصة التجربة الإنسانية التي تطورت منذ القدم ووصلت إلى هذا الإنجاز الضخم الذي لا يمكن تصور حياة إنسانية كريمة ومستقرة بدونه .. وبالمناسبة، تيار في الحركة الإسلامية يحاول الظهور بمظهر المستنير ومواكبة التطور والمنخرط في الديمقراطية بدون حرج، يسمي الديمقراطية شورى، وأحياناً يتحدثون عن “الديمقراطية الشوروية” .. وهذا خلط عجيب لأن الشورى غير الديمقراطية.*حركة طالبان الأفغانية - وهي أكثر اعتدالاً من تيار السلفية و”حزب التحرير الإسلامي” - فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة “الإمارة” التي قالوا إنها “نواة للخلافة الإسلامية” المراد استعادتها .. لأنها حاولت استعادة نظام غريب عن العصر، وكل ما فعلته عبر أجهزة “الإمارة” ابتداءً من “الخليفة” الملا محمد عمر مروراً بأمير الجهاد وصاحب الراية والمحتسب وغيرها من الأجهزة، إنها دمرت وقتلت وصادرت الحريات وزرعت الأفيون وقطعت صلاة أفغانستان بالدنيا وخاصمت العالم وأفقرت الناس وأزالت كل مظهر له علاقة بكرامة الرجال وبالنساء وحقوقهن.هذه حركة طالبان، وهي كما قلنا أكثر اعتدالاً لأنها في الغالب “حنفية” فما بالك بهؤلاء “السلفية” الذين يتفوقون على طالبان في التشدد والرجعية والتخلف وكراهة الناس ويعادون المسلم الإسماعيلي والشيعي والصوفي .. ولديهم مشكلة مع الدساتير والعلوم الحديثة والقانون الدولي وكل أمر له صلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة المواطنة ودولة المؤسسات الحديثة.
