غضون
- ما سجله الزميل معاذ الأشهبي في «صححوا مصاحفكم» لا يستحق كل ردود الأفعال بما في ذلك الحكم بسجنه، لأن صاحبنا لم يأت بجديد، وإنما استعاد بعض الجدل القديم حول آيات وكلمات في القرآن، ويرجع هذا الجدل إلى البدايات الأولى كما عند جامعي القرآن أنفسهم.. وهو جدل قد حسم بالاستقرار على المصحف الذي هو بين أيدينا اليوم، ولا معنى لاستجرار ذلك الجدل القديم.ما ذكره معاذ هو قطرة من مطرة الخلاف أو الجدل القديم الذي قلنا إنه قد حسم.. ومعاذ لا يستحق أي عقاب لذلك - لأن أحداً لم يعاقب ابن مسعود الذي قرأ «فما يستطيعون لكم» وأبي بن كعب الذي قال بل: «فما يستطيعون لك» ومن قرأ «سراباً» ومن قرأ «سراجاً» ومن قرأ «يظلم منكم» ومن قرأ «يكذب منكم».. وكذلك اختلفوا في قراءة كلمة، يقول أحدهم بالفتح والآخر بالسكون.. ومن ينقص حرفاً ومن يثبته. واختلفوا حول القرآن وحول المكي والمدني.. بل وراحوا يفاضلون بين السور فقال هذه تعدل ثلث القرآن وهذه كذا.. ووصل الأمر إلى نسخ آيات قرآنية بأحاديث، وتحدثوا عن آيات منسوخة الحكم أو القيمة وكأنها أنزلت عبثاً.. والحديث في هذا يطول، ونعترف أن لا معنى من الإشارة إليه هنا إلا من باب التذكير بأن هذا قد حدث ولم يتحرج منه أحد.. ومن باب الاستشهاد إن الأشهبي لم يأت شيئاً منكراً.- مع العلم أنه حتى بعد وضع مصحف عثمان وتوزيعه في الأمصار استمر الجدل ولكن بصورة أخطر من قبل رجال دين كبار وفي ظل الخلافة الأموية وحتى العباسية، واشترك في هذا أهل سنة وأهل شيعة ومع ذلك لم يكفروا ولم يعاقبوا، وبلغت خطورة الجدل إلى القول إن السورة الفلانية قد بتر نصفها وقالت الشيعة إن عمر حذف آيات قرآنية لأنها تذم أصحابه وإن الله قال:« وجعلناكم خير أئمة أخرجت للناس» ويعني بذلك أئمة آل البيت لكن أهل السنة لم يعجبهم ذلك فصيروها «خير أمة أخرجت للناس». وغير ذلك من الجدل الذي صار في هذا الزمن غير مجد ولا معنى له، خاصة وأن الشيعة اليوم يؤمنون بالقرآن الوارد في المصحف العثماني الذي يؤمن به السنة.. وكل ما يقال عنهم من أنهم يطعنون في القرآن لا صحة له إلا من حيث أن القائلين بذلك يعيرونهم بما ورد في التراث الشيعي حول القرآن وهو تراث يكاد يساوي ما ورد في كتب السنة.- إن القاضي الذي حكم بحبس الأشهبي سنة كعقوبة على ذلك المقال لا يبدو أنه مطلع على شيء من ذلك الجدل القديم، ويبدو أنه لم يعط قيمة لما قام به الأشهبي من تصحيح أو اعتذار كان وحده يكفي لاعتبار القضية كأن لم تكن.. وأزعم أن القاضي ربما تأثر بالحملة التي شنها السلفيون وأصحاب الحسبة حول مقال الأشهبي فأصدر ذلك الحكم بحق الكاتب، وأقول «ربما» لأن بعض القضاة يتأثرون بضغط الرأي العام خاصة عندما تدور القضية حول المقدس وما يعتبر مقدساً.. مع ذلك فإن القضاء- ولا أشك في ذلك- سوف يراجع الأمر ويدقق في القضية.
