نبض القلم
تميزت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بصعود حركة التحرر العربي من خلال التفاعل مع عالم ما بعد الحرب، فبرزت الدعوات المطالبة بالتحرر من الاستعمار، إلى جانب الدعوات المنادية بالتحديث والتقدم، واللحاق بركب الدول المتقدمة، وقد اقترن ذلك بالدعوات المنادية بالوحدة العربية. وهذا يعني أن التوجه نحو التحرر والاستقلال كان مقروناً بالوحدة في أكثر من قطر عربي، وبدرجات متفاوتة.وقد كان لهذا التوجه والاقتران أثرهما في مجرى النضال الوطني في اليمن ، حيث كانت أجزاء من اليمن محتلة، وأجزاء أخرى مغلوبة على أمرها، لذا كانت الأجزاء المحتلة تتفاعل تفاعلاً إيجابياً مع معظم حركات التحرر العربية، في حين كانت الأجزاء الأخرى تتفاعل مع الثورات والانقلابات العسكرية التي تحصل في هذا القطر العربي أو ذاك، وقد حصل هذا التفاعل في المجتمع اليمني بدافع الرغبة في الخلاص من النظام الإمامي الاستبدادي المتخلف في الشمال، والخلاص من الاستعمار المتسلط في الجنوب.وما يدل على قوة هذا التفاعل أن الشعب اليمني كان يبتهج عند سماعه بسقوط بعض الأنظمة الملكية في بعض الأقطار العربية، كمصر والعراق، إحساساً منه أن المعاناة التي يعانيها الشعب ناجمة عن تسلط آل حميد الدين في حكم الشمال، فكان يرى في سقوط أي نظام ملكي إيذاناً بسقوط الملكية في بلاده التي عانى منها كثيراً، كما كان يرى في اندلاع أية ثورة تحررية في أي قطر عربي عاملاً مساعداً وممهداً لتفجرها في بلاده اليمن ، لتمكينه من طرد المحتل لأجزاء من وطنه.وإلى جانب هذا وذاك كان الشعب اليمني أكثر الشعوب العربية تفاعلاً مع أية خطوة وحدوية تتم بين قطرين عربيين أو أكثر لأنه كان يعاني من الشتات والتمزق في داخله، سواء في الأجزاء المحتلة في الجنوب والشرق، أو في الأجزاء المستقلة في الشمال، لذلك كان المواطن اليمني في الجنوب أوفي الشمال تواقاً إلى وحدة اليمن، لرغبته في الخلاص من التمزق والشتات، فالشمال ـ وإن كان مستقلاً ـ إلا أن النظام الإمامي فيه كان يمارس نوعاً من التمييز الطائفي والعرقي بين ما كان يعرف بالمناطق الزيدية والمناطق الشافعية.أما الجنوب والشرق فقد كان ممزقاً سياسياً واجتماعياً ومقسماً إلى أكثر من أربع وعشرين سلطنة ومشيخة وإمارة، وكلها متفاوتة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فقد كانت “عدن” المستعمرة وقتذاك تحظى ببعض الأهمية التي تفتقر إليها سائر المناطق الأخرى، وكانت لحج وأبين أفضل حالاً من بيحان ومودية ودثينة والعواذل والحواشب والشعيب والضالع، وذلك لقربهما من عدن المستعمرة.وفي تلك المرحلة كان المواطن اليمني يجد صعوبة في التنقل بين منطقة وأخرى، لصعوبة المواصلات، ووعورة الطرقات، كما كان يجد صعوبة في نقل البضائع وتبادل السلع، لكثرة نقاط التفتيش، وتعدد مراكز التحصيل الجمركي، من أجل ذلك كان الشعب اليمني يحلم بالوحدة ويناضل من أجل تحقيقها، ويسعى جاهداً للوصول إليها، فكان القاسم المشترك بين اليمنيين جميعاً هو النضال من اجل الوحدة الوطنية، باعتبارها أسمى الغايات وأغلى الأهداف، للانطلاق بعد ذلك نحو الوحدة العربية الشاملة.ولذلك لا غرابة أن يكون الهدف الخامس من أهداف ثورة 26 سبتمبر 1962م هو العمل على تحقيق الوحدة اليمنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة، بينما كان الهدف الأول هو التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، لأن هذين الهدفين مرتبطان ببعضهما ارتباطاً جدلياً، فبدونهما يصعب تحقيق بقية الأهداف.والشعب اليمني عندما صاغ أهدافه الستة التي أعلنها يوم الثورة في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، إنما عبر عن طموحاته وآماله، التي كانت وقتها أقرب إلى الحلم منها إلى الحقيقة، إذ لم يكن أحد يتصور أن تتحقق تلك الأهداف، وأسماها تحقيق الوحدة اليمنية، التي صارت واقعاً مترسخاً في وجدان الشعب، وممتزجاً بمشاعر الناس وأحاسيسهم.
