نبض القلم
الحضارة بشكل عام جهد بشري وإنتاج إنساني بما فيها الحضارة الإسلامية ، وبطبيعة بشريتها تبقى خاضعة للسقوط والنهوض والخطأ والصواب ، كلما توفرت لها عوامل ذلك .والمسلمون في تاريخهم الطويل هم مجتمع بشري له أخطاؤه وله انتكاساته ، وليس مجتمع ملائكة معصومين ومبرمجين على فعل الخير، والإنسان بطبيعة تكوينه تتعاوره دوافع الخير ونوازع الشر وتتميز الحضارة الإسلامية عن سواها من الحضارات إنها حضارة الإيمان ، فهي تمتلك فلسفة للحياة ، ولها دليل ورؤية لإدارة الحياة والتعامل معها ، وهي تمتلك كذلك وجهة نظر واضحة ، وقيماً سامية ، أي أنها حضارة قيمية وهو ما يجعلها قادرة على التجدد، ولذا فإنها حضارة خالدة قادرة على الإنتاج في كل زمان ومكان ، وذلك لقيامها على القيم الروحية. أما الحضارة الغربية فإنها حضارة إنجاز وإنتاج مادي أي إنها حضارة أشياء مادية فإن سقطت تلك الأشياء أو أسقطت بفعل غزو أو حرب ، فإنها ستنهار لا محالة ، في حين أن الحضارة الإسلامية التي هي حضارة فكر وقيم وعقيدة ، إن سقطت أو انهارت تحت أي ظرف ، تظل قادرة على المعاودة من جديد، وقادرة على النهوض ، حتى لو سقطت أشياؤها المادية .وما يميز الحضارة الإسلامية أنها قادرة على الاستمرار والامتداد والخلود ، باعتبارها خمائر حضارية خالدة على مر الزمن ولذا هي قادرة على التفاعل الحضاري مع الحضارات الأخرى لا التصادم معها . وليس صحيحاً ما يقال إن الحضارة الإسلامية قامت بالاعتماد على الجهاد والقوة والنصر بالإكراه ، فذلك مناف للواقع ، فالبلدان التي فتحها المسلمون في جهادهم لنشر الدعوة أقل كثيراً من البلدان التي أسلمت طوعاً وعن قناعة ، فلقد ساهمت هذه البلدان في بناء الحضارة الإسلامية ، بل إنها تعتبرها حضارتها. وربما يتساءل المرء : لماذا أصبحت الحضارة الإسلامية متخلفة ، غير قادرة على العطاء ؟ وأين يكمن الخلل ؟ هل في مسيرتها أم في تعامل أجيالها معها ؟ وكيف يمكن تجاوز الواقع المتخلف إلى إنجاز حضاري مأمول ؟.وما من شك في أن الحضارة الإسلامية فيها جوانب حضارية مضيئة إلى جانب أخرى سوداء ، فالمسلمون الذين بنوها ليسوا ملائكة بل هم بشر يصيبون ويخطئون ، وكأي مجتمع بشري يتعرض للسقوط والنهوض ، والنجاح والانتكاس ، له تألقه وجموده ، وله نجاحه ورسوبه . ولذا لا يجوز أن ننظر إلى الحضارة الإسلامية نظرة مثالية فوق الطاقة البشرية.والإشكالية القائمة اليوم هي في الافتخار والتباهي بهذه الحضارة المنتكسة، دون الاعتبار للحضارات الأخرى، في محاولة لتعويض النقص القائم من جراء انتكاس الحضارة الإسلامية في الوقت الراهن وخطورة ذلك تكمن في عدم القدرة على التعاطي مع الجوانب السلبية وكيفية تجاوزها ، بما من شأنه إجهاض القيم الإسلامية النبيلة.ومحور الارتكاز في الحضارة الإسلامية هي العقيدة وهي منطلق الحرية الإنسانية في التصديق بالذات الإلهية وإخلاص الربوبية والإلوهية . وهي تجعل الإنسان يسعى دائماً لإرضاء مولاه وخالقه بكل ما أوتي من وسائل الفضيلة والتقوى ، وتجعله في الوقت نفسه متخلصاً من أدران الوثنية المادية .إنه في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تغط في بحار من الجهالة والوحشية والفوضى ظهر الإسلام بشريعته السمحاء وحضارته العظيمة وراح ينشر قوانينه العادلة في ربوع الأرض التي تمكن من الوصول إليها.وكان من نتائج تغلغل الثقافة الإسلامية إلى أوروبا في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية انتشار بعض القواعد الأخلاقية الإسلامية هناك ، والاحتكام إلى القوانين بدلاً من الاحتكام إلى القوة ، غير أن ذلك لم يرق للأوروبيين الذين شنوا على المسلمين حروباً صليبية للاستيلاء على الأرض والثروة ، ولا يزالون ، وهو ما يستفز المسلمين في الوقت الراهن.[c1] خطيب جامع الهاشمي - الشيخ عثمان[/c]
