نبض القلم
تروي كتب السيرة النبوية أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان يترقب شهر رمضان، وينتظره بشوق ليحتفل به، ويسعد بأيامه، لأنه الشهر الذي كان يلقاه فيه جبريل ، ويدارسه القرآن، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يشاهد هلال رمضان يبدي سروره، ويظهر حبوره، ويقول: ( هلال رشد وخير، آمنت بالذي خلقك ). روى أنس بن مالك أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كانت أول ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلت قدرته رضوان خازن الجنة فيقول له : أدخل جنتي وزينها للصائمين من أمة محمد، ولا تغلقها حتى ينقضي شهرهم). وحدثنا سليمان الفارسي أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب الناس في آخر يوم من شعبان ، فقال: ( أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم .. شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصوم.. والصبر ثوابه الجنة، وهو شهر المواساة ، وهو شهر يزاد فيه من رزق المؤمن، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار). ولقد اختص الله شهر رمضان بمزايا لم يختص بها شهر آخر من شهور العام، ففيه أنزل الله القرآن الكريم على رسوله هداية للناس ورشاداً ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إلى صراط مستقيم، قال تعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ).وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، وهي ليلة النعمة الكبرى التي أسبغها الله على البشرية، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر ، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر). وفيه فتح مكة الذي فك الله به قيود الدعوة، وأطلقها من عقالها، وحطم قوائم الشرك، ودك معالم الوثنية، قال تعالى: ( إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان تواباً ). وفي رمضان صلاة التراويح، وهي ركعات يؤديها المسلمون كل ليلة من ليالي رمضان، وفيه الاعتكاف، وهي عبادة تدعو إلى التخلي عن شواغل الحياة، والتخلص من متعها ولذائذها ، والإقبال على الخلوة مع الله بالضراعة إليه ، والخشوع بين يديه. والاعتكاف سنة داومها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن (النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان). وفي رمضان الصوم، وهو عبادة تهدف إلى تقوية الروح وتربية العقل وقمع النفس، والحد من شرهها. والصوم وسيلة المسلم للوصول إلى مرتبة التقوى، وهي أعلى درجات الإيمان. وقد أشار القرآن الكريم إلى سر اختيار شهر رمضان لأداء فريضة الصوم، وهو أن الله أسبغ نعمته على عباده في هذا الشهر المبارك، فقد أنزل فيه القرآن الكريم ، ليكون للناس هدى ونوراً، ولهم فيه شفاء مما في صدورهم من غل وكراهية ، والصوم ينظم العلاقة بين الروح والجسد، ولهذا السبب شرعه الله تعالى لعباده رحمة، وإحساناً لهم، فالجسم والروح يؤثر كل منهما في الآخر، وقديماً كان الناس يمارسون الرياضة النفسية بالصوم المستمر، ويمتنعون عن تلبية مطالب الجسم ، فلا يستطيعون القيام بأي عمل إيجابي في أية ناحية من نواحي الحياة، وكان آخرون يبالغون في العناية بأجسامهم ، وفي تلبية مطالبها، فتضعف نفوسهم وأرواحهم ، فلما جاء الإسلام كانت شريعته وسطاً، فهو لا يرضى من المسلم أن يصوم الدهر، لأنه لا يريده أن يتوغل في الرياضة النفسية كل التوغل، كما لا يرضى منه أن ينغمس في ملذات الحياة، أو ينجر وراء شهواته ، حتى لايضر بجسمه. [c1]خطيب جامع الهاشمي بالشيخ عثمان
