
في لحظات التاريخ المفصلية، تبرز شخصيات استثنائية تحمل على عاتقها عبء المرحلة وتتجاوز بهمومها تداعيات الماضي لتشكيل ملامح المستقبل. إن الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي - القائد الأعلى للقوات المسلحة، هو أحد هذه النماذج الوطنية التي جاءت في وقت عصيب ليكون رجل المرحلة بامتياز، مهما كانت التحديات المحيطة به جسيمة، ومهما كانت العقبات في طريقه معقدة ومتشابكة.
لم يأتِ الرئيس العليمي إلى موقع القيادة عبر تراتبية تقليدية، ولم يكن خليفة مباشرًا لفقيد الوطن المرحوم المناضل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي فقط، بل جاء اختياره ثمرة إرادة سياسية جامعة، تمثلت في مجلس القيادة الرئاسي الذي أُعلِن عن تشكيله في أبريل 2022 بتفويضٍ من التحالف العربي، وبإجماعٍ وطنيٍّ عريض ليكون مجلسًا رئاسيًا يقود المرحلة الانتقالية في اليمن. وقد جاء هذا الاختيار ليعبّر عن حالة الاستثناء التي تمر بها البلاد حيث كانت الحاجة ملحةً لقيادة جماعية تضع حدًا للانقسامات وتوحّد الجهود لمواجهة التحديات المصيرية.
الرئيس العليمي ليس وجهًا جديدًا على الساحة السياسية أو العسكرية، بل هو قيادي مخضرم نابع من عمق مؤسسات الدولة اليمنية، فقد شغل منصب نائب رئيس الوزراء - وزير الداخلية، كما تولى مواقع قيادية حساسة أكسبته خبرة متراكمة في ملفات الأمن والسياسة والحكم. هذه الخلفية الواسعة جعلته شخصيةً تدرك تعقيدات الدولة وتعرف خيوط اللعبة السياسية وتفقه طبيعة التحالفات والصراعات في المشهد اليمني.
ما يميز الرئيس العليمي أنه يمتلك مزيجًا نادرًا من الحكمة السياسية والصبر الاستراتيجي، وهما صفتان كانتا غائبتين في كثير من محطات الأزمة. حكمته تجعله ينظر إلى الأمور بعيدًا عن الانفعالات، ويوازن بين مطالب الداخل وخيارات الخارج، بين ضرورات الحرب ومتطلبات السلام، وصبره يمنحه القدرة على امتصاص الصدمات والتعامل مع الملفات الشائكة بهدوء دون التسرع في اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة في لحظات التوتر.
لقد أثبتت الأيام أن الرئيس العليمي كان خيارًا توافقيًا بامتياز في لحظة كانت البلاد بأمس الحاجة إلى شخصية تستطيع أن تجمع الفرقاء، وتدير التناقضات، وتحافظ على تماسك التحالف الداعم للشرعية. فهو يجمع بين الخبرة الأمنية والعسكرية من جهة، والسياسية والدبلوماسية من جهة أخرى، مما يجعله قادرًا على إدارة ملفات بالغة التعقيد مثل ملف الحرب والمصالحة، والحوار الجنوبي-الجنوبي، والتصدي لغطرسة الانقلابيين الحوثيين، وحجم الدمار لكل المرافق الوطنية والسيادية والمصالح الأهلية الذي أحدثته صواريخهم العبثية، وملف الأمن والاستقرار، وملف الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي.
إعادة بناء الدولة مشروع طموح في زمن الانهيار. وما يميز مرحلة الرئيس العليمي أيضًا أنه لم يكتفِ بإدارة الأزمة آنيًا، بل وضع نصب عينيه مشروعًا وطنيًا طموحًا يتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد الصفوف، رغم التداعيات الكارثية للحرب وتفكك المرافق الحيوية وتضاؤل الموارد. يسعى العليمي إلى استعادة هيبة الدولة وإصلاح المنظومة المالية والإدارية وتعزيز الأمن ومكافحة الفساد وإعادة الاعتبار للقضاء والمؤسسات السيادية، وهذه كلها مهام قد تبدو مستحيلة في ظل واقع يموج بالصراعات والأزمات.
لا يمكن الحديث عن إنجازات الرئيس العليمي دون الإشارة إلى حجم التحديات الاقتصادية والأمنية الهائلة التي يواجهها، فالدولة تعاني من شح الإيرادات وتراجع قيمة العملة وتوقف الصادرات النفطية، إضافةً إلى تهديدات الإرهاب وانفلات الأمن وامتداد نفوذ الميليشيات المدعومة إقليميًا، ومع ذلك فإن العليمي يواصل العمل بإصرار، واضعًا ثقته في قدرة اليمنيين على تجاوز المحنة، ومتمسكًا بخيار السلام كسبيل وحيد لإنهاء المعاناة، لكنه أيضًا حريص على عدم التفريط بالثوابت الوطنية ومكتسباتها.
الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي يقود اليوم سفينة اليمن في أمواج عاتية، يوازن بين إرث الماضي الثقيل وطموحات المستقبل الضبابية، بين ضغوط الحرب، وإغراءات السلام، وبين صراعات النفوذ ومتطلبات البناء. قد لا يكون كل ما يقوم به مثاليًا، وقد لا يرضي الجميع، لكنه يظل رجل المرحلة الذي تحمل المسؤولية في أصعب أوقاتها، مختارًا الصبر طريقًا، والحكمة دليلًا، والوطن وجهةً لا تحيد عنها العزيمة.
يبقى القول إن الرجال يُعرفون في الشدائد، وإن القادة الحقيقيين هم من يزرعون الأمل في أحلك الظروف، ويصنعون من الصعب ممكنًا، وهكذا هو الرئيس العليمي في محطته التاريخية، يكتب فصولًا من التحدي والإرادة لعلها تكون فاتحة خيرٍ لليمن القادم.
