كما أن إصدار باكورة الجريدة الرسمية للدولة بعد انقطاع أحد عشر عاما تُمثل بارقة امل وخطوة الأساس الرئيسية للمنظومة التشريعية والقانونية، للدولة كونها الوعاء التشريعي لكافة القوانين والتشريعات الصادرة.
كما أشار رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني خلال فعالية تدشين إعادة الإصدار للجريدة الرسمية الاسبوع الماضي أن إصدار الجريدة الرسمية لا يمثل مجرد إعادة إصدار مطبوعة حكومية، وإنما إعادة فتح نافذة الدولة القانونية والتشريعية، واستعادة إحدى أدواتها المؤسسية في نشر التشريعات والقرارات الرسمية.
أيضا القرار الجمهوري رقم (27) لسنة 1992م والخاص بإصدار الجريدة الرسمية، نصت المادة (3): تنشر في الجريدة الرسمية المواد التالية :-
أ- القوانين.
ب- القرارات بالقوانين.
جـ- قرارات مجلس الرئاسة ورئيس مجلس الرئاسة والقرارات الجمهورية وقرارات رئيس مجلس القضاء الأعلى.
د- قرارات رئيس مجلس الوزراء.
هـ- القرارات الوزارية ذات الصيغة التنظيمية والبيانات والإعلانات: سائر ما يتوجب إعلام المواطنين بها.
و- كل ما نصت القوانين أو القرارات أو الأنظمة على نشره فيها.
الاهم والأكثر أهمية من وجهة نظري هي ليس في الإصدار العددي للجريدة للقرارات والقوانين الصادرة فقط ، بقدر ماهي دعوة للجهات الحكومية والوزارات الى العمل على رفع الدراسات العلمية والفنية لطلب التحديث المطلوب للقوانين والتشريعات وفقاً للاحتياجات والأولويات المطلوبة، وبحسب ما تقضيه المصلحة العامة للبلد بحسب الزمان والمكان، كون عدد من الجهات والمواد القانونية بحاجة إلى تحديث موادها القانونية .
كما أوضحت وزيرة الشؤون القانونية القاضية /إشراق المقطري أن إعادة إصدار الجريدة الرسمية ستكون بداية لمسار مستمر نحو انتظام النشر والتحديث وتطوير المرجعية التشريعية الوطنية.
فالمنظومة القانونية عصب الهياكل الإدارية والهيكل العظمي لبناء المؤسسات وتطوير انظمتها وتشريعاتها القانونية، الأمر الذي يستدعي حشد كافة الجهود والتعامل بحرص وذكاء ليس من قبل وزارة الشؤون القانونية فقط بل من كافة الجهات الحكومية كل فيما يخصه ومتعلق بعمله، ويمكن لكل جهة حكومية أن تُعد مصفوفة تشريعية قطاعية تتضمن الآتي :
1. القوانين النافذة ذات الصلة باختصاصها.
2. اللوائح والقرارات التنظيمية المرتبطة بها.
3. النصوص التي تحتاج إلى تعديل أو تحديث.
4. أوجه التعارض أو التداخل التشريعي.
5. الفجوات القانونية التي تعيق أداء المؤسسة.
6. الأولويات التشريعية للمرحلة المقبلة.
7. المقترحات القانونية اللازمة لمعالجة تلك الإشكالات.
كما أن هناك العديد من الجوانب الإيجابية لإصدار الجريدة الرسمية لتعزيز الشفافية وتحسين جودة تسهيل الوصول للمعلومات وخاصة مع فتح نافذة إلكترونية خاصة بالجريدة ونُسخ إلكترونية PDF لكل إصدار وتعميمه ونشره وجعله في متناول كل باحث ومهتم والعديد من الرؤى والأفكار المتعلقة بذلك، كما أوضحتها الوزيرة المقطري خلال التدشين الاسبوع الماضي، الا أن الأمر الأهم والأبرز من الإصدار الورقي أو الإلكتروني هو المضمون القانوني والمحتوى التشريعي وماهو الهدف من الإجراء القانوني لهذه النصوص وماهي الفائدة من تطبيقها، وغيرها من العوامل الإستراتيجية لتنفيذ وتطبيق القانون.
ولعل من المفيد أن يُنظر إلى المشروع في إطار مثلث متساوي الأضلاع :
الجريدة الرسمية : تنشر وتحفظ وتوثق.
المنظومة التشريعية: تراجع وتُحّدث وتُوحد .
المنصة الرقمية: تتيح وتربط وتُيسر الوصول.
قاعدة : قوة القانون، لا قانون القوة!
أسئلة بسيطة جداً ينبغي أن يواجه بها صانع القرار والمُشرع وكل من ينادي أو تقع عليه مسؤولية قراءة وتحديث وإضافة أو تعديل القوانين وهي : ما نسبة التطبيق الفعلي للتشريعات القائمة على أرض الواقع؟ هل طُبقت كافة القوانين على كافة القضايا وكانت النتائج غير مرضية حتى نعوّل على تشريعات جديدة؟ كم نسبة الانتهاك والتجاوز والمخالفات للقانون التي تُحل وفقاً لمصالح شخصية أو نفوذ؟ كم قضية حُسمت باتصال هاتفي بدلاً من حسمها بنص قانوني؟ حين نطرح هذه الأسئلة، يتبين أن المشكلة ليست في «فراغ تشريعي» بل في «فراغ تنفيذي». وشتان بين الفراغين: الأول يُعالج بقلم وخبراء، والثاني يُعالج بإرادة سياسية ومؤسسات قوية ونزاهة قضائية. الأول سهل ومناسب للاستهلاك الإعلامي، والثاني شاق ويحتاج إلى اصرار وتحدٍ وحرص ومواجهة للتنفيذ والتطبيق للتشريعات والقوانين، فالثقافة القانونية لاتُبنى على جزئيات بل على تطوير البيئة القانونية بشكل عام وأوسع من خلال انتظام النشر، دقة التوثيق، سهولة الوصول، تحديث التشريعات، مراجعة التعارضات، وغيرها، فالجريدة الرسمية ليست ذاكرة الماضي القانوني للدولة فحسب ؛ بل يمكن أن تكون أيضاً بوصلتها نحو دولة المؤسسات وسيادة القانون.
وزارة الشؤون القانونية ممثلة بالوزيرة القاضي إشراق المقطري من الوزارات التي تعمل جاهدة لإرساء وتطوير المنظومة القانونية، والقرارات واللوائح التشريعية للدولة ، وينبعي النظر باهتمام وجدية وحرص ليس فقط بإصدار الجريدة بل بالعمل والجهود بالمضمون والمحتوى لهذه الإصدارات، نتمنى لها التوفيق والنجاح. ومن آمن بالشيء فليكن من صُنّاعه!
