اجتماع الرياض لمحافظي المحافظات واللجنة الأمنية العليا، بحضور رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، لم يكن اجتماع تقييم دوريا. كان إعلان نية: “الدولة تمضي بثقة لحماية السيادة وإنهاء الانقلاب”.
هنا مربط الفرس
الرسالة الأولى لم تذهب للخارج ولا للأمم المتحدة. ذهبت لمحافظ في عدن، ومدير أمن في مأرب، ووكيل في حضرموت، وغيرهم في ربوع الوطن: “مسؤوليتكم اليوم ترسيخ الأمن والاستقرار وتعزيز هيبة الدولة”.
هذه ليست موعظة. هذا اعتراف ضمني بأن شرعية الدولة لا تُستعاد بالبيانات، بل بكهرباء تصل، وراتب يُصرف، ومنفذ لا يُنهب.
العليمي يدرك قاعدة بسيطة: المواطن الذي يجد خدمة سيصبح هو خط الدفاع الأول عن الجمهورية. والمواطن الذي ييأس سيبحث عن أي بديل حتى لو كان انقلابياً.
من هنا جاء التشديد على “تعزيز الروابط الوطنية” بين المحافظات. لأن مشروع الانقلاب يقوم أصلاً على فرض أمر واقع عبر تمزيق النسيج الاجتماعي وتحويل كل محافظة إلى جزيرة.
منطق الدولة ضد منطق الاستدراج
النقطة الأهم كانت في مقاربة التصعيد. “تعاملنا بمنطق الدولة، وليس المليشيات”.
هذه ليست جملة إنشائية. هي استراتيجية كاملة.
الحوثي ومن خلفه طهران يريدون جر اليمن إلى جبهة إقليمية جديدة. الهدف ليس انتصارا عسكريا، الهدف هو الهروب من الداخل. الهروب من فشل إداري، ومن جوع، ومن استحقاقات لا يستطيعون الوفاء بها. يريدون صورة “المقاوم” لتغطية عجز “الحاكم”.
الدولة اختارت أن لا تمنحهم هذه الهدية. اختارت الردع المحدود الذي يمنع فرض الأمر الواقع، مع إبقاء الباب مفتوحاً للحشد السياسي والدبلوماسي. قوة بلا تهور، وحضور بلا استدراج. وهذا أصعب خيار في زمن يريد الجميع فيه صورة “البطل”.
الإنسانية ليست جسرا للشرعنة
لافت موقف الرئيس من المبادرة الأردنية لاستئناف رحلات صنعاء - عمان. الترحيب كان مشروطاً بجملة واحدة: “لن نقبل أن تتحول إلى غطاء لفرض أمر واقع جديد”.
هنا الفرق الجوهري. الدولة يمكن أن تفتح “كل نافذة ممكنة للسلام وتخفيف المعاناة”، لكنها لن تفرط في “حقها الحصري في إدارة مجالها الجوي ومطاراتها”.
بعد 12 عاماً من الحرب، الدرس واضح: أي تسهيل إنساني بدون إطار سيادي يتحول سريعاً إلى اعتراف ضمني بالانقلاب.
ثلاثة ثوابت.. واختبار واحد
يمكن اختزال الخطاب في ثلاثة ثوابت: الداخل أولاً، السيادة خط أحمر، إنهاء الانقلاب هدف لم يتغير.
لكن الثوابت وحدها لا تكفي. ففي ظل المعطيات الإقليمية والدولية، يبدو أن مجلس القيادة اختار “الطريق الثالث”: لا حرب شاملة تستنزف الناس، ولا استسلام يكرس التقسيم. بل “دولة بمنطق الدولة” تمضي خطوة خطوة.
السؤال الآن لم يعد للرئيس. السؤال للمحافظين، للأجهزة، للمؤسسات:
هل نملك أدوات لترجمة هذه البوصلة إلى واقع؟ لأن التاريخ لا يسجل الخطب. يسجل من نجح في تحويل “السيادة أولاً” إلى راتب في البنك، وأمن في الشارع، وهيبة في الميناء.
والإجابة لن تأتي من الرياض. ستأتي من عدن والمحافظات المحررة واليمن الكبير.
