غير أن ما جرى على أرض الواقع بدا مغايراً لتلك التوقعات؛ فبينما احتفت البيانات الرسمية بالدعم، كانت ساعات الانقطاع تمضي في اتجاه تصاعدي، ليتحول المشهد في الشارع إلى حالة من الاحتقان، عبّر عنها المواطنون باحتجاجات متفرقة، وسخرية واسعة على منصات التواصل، قبل أن يعود الجميع إلى منازلهم، دون أن يطرأ تغيير جوهري على واقع الخدمة.
وفي وقت لاحق، أعلنت وزارة الكهرباء عن “تحسن نسبي”، مشيرة إلى تراجع نمط الانقطاع من 14 ساعة مقابل ساعتين تشغيل إلى نحو 8 ساعات انقطاع. غير أن هذا التحسن، حتى وفق معاييره الرقمية، يظل بعيداً عن الحد الأدنى الذي يلامس احتياجات الناس، خاصة في ظل موجة حر غير مسبوقة جعلت البيوت مساحات خانقة لا توفر الحد الأدنى من الراحة أو الأمان.
لم تعد المسألة مجرد خلل في الخدمة، بل باتت أقرب إلى أزمة معيشية يومية. فالأسر تعيش بين ظلام يمتد لساعات طويلة وحر لا يرحم، فيما يتحمل المرضى وكبار السن والأطفال العبء الأكبر صحياً ونفسياً، بين لهيب النهار، وقلة النوم، ويقظة تشتد حدتها مع كل انقطاع جديد، كأن الليل نفسه فقد قدرته على منح الناس شيئاً من السكون. أما أصحاب المحلات والأعمال الصغيرة، فقد أصبحت الكهرباء بالنسبة لهم فاصلاً بين الاستمرار والتوقف، لا مجرد خدمة عامة.
ويبقى السؤال الذي يتردد في كل بيت ومجلس: أين انعكست آثار هذه المنحة؟ وإذا كانت مئات الملايين قد خُصصت لدعم الوقود وتحسين التوليد، فلماذا لا يلمس المواطن أي فارق حقيقي في مستوى الخدمة داخل منزله؟
لا يمكن إنكار أهمية الدعم الخارجي وحجم المساهمات المقدمة لقطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية، غير أن معيار النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الأرقام المعلنة، بل بمدى انعكاسها على حياة الناس. فالمواطن لا يتعامل مع البيانات الرسمية، بل مع الواقع اليومي داخل بيته، حيث تُختبر جدوى كل دعم وكل قرار.
اليوم لا يطالب الناس بما يتجاوز الممكن، بل بحق أساسي في خدمة كهرباء مستقرة تحفظ الحد الأدنى من كرامة العيش في هذا الصيف القاسي، إلى جانب قدر أكبر من الشفافية في توضيح آليات الصرف ونتائج هذه المخصصات.
وبين أرقام الدعم الكبيرة في التصريحات، وواقع الانقطاع الطويل في المنازل، تبقى الأسئلة مفتوحة، ويبقى المواطن هو من يعيش الإجابة يومياً، في صمت العتمة وحرّ النهار وعدم النوم ويقظة تشتد حدتها.
