شخصيًا، لستُ مع تخصيص يوم بعينه للاهتمام أو الاحتفال باللغة العربية، فكل يوم، بل كل لحظة، ينبغي أن تكون مثار اهتمام أبناء الضاد بلغتهم الأم. ومع ذلك، حتى هذا اليوم اليتيم لم يحظَ بما يستحق منهم، حتى لمجرد التذكر بعد أن سلبت «المستديرة» عقولهم واستولت على كل الاهتمام إلاَّ من قلة.
أخي المهندس الزراعي صالح أرسل لي هذا النص: «في اليوم العالمي للغة العربية، نحتفي بلغة الضاد؛ لغة لم تكن يومًا مجرد أداة تواصل، بل وعاءَ حضارة، وذاكرةَ أمة، وجسرًا بين الماضي والحاضر. هي لغة القرآن، فازدادت قداسةً وخلودًا، ولغة الشعر فازدانت جمالًا وبيانًا، ولغة العلم فأسهمت في بناء المعرفة الإنسانية قرونًا طويلة.
وفي هذا اليوم، لا نكتفي بالاحتفاء بحرفٍ تفرّدت به العربية، بل نجدد العهد على صونها، وإحيائها في التعليم والفكر والإبداع، لتبقى حيّةً نابضة، قادرةً على التعبير عن إنسان هذا العصر كما عبّرت عن أسلافه.
كل عامٍ ولغة الضاد بخير، وكل عامٍ وهويتنا أكثر وعيًا، ولساننا أكثر فصاحة».
يتحدث اللغة العربية (لغة الضاد) أكثر من 550 مليون شخص حول العالم، منهم نحو 300 مليون يتخذونها اللغة الأُم، والباقي كلغة ثانية. وتعد اللغة العربية من أكثر اللغات انتشاراً، وتُصنف من بين أكثر اللغات في العالم. ويُتوقع أن يصل عدد المتحدثين بها إلى 647 مليونًا بحلول عام 2050، بمن في ذلك المسلمون الذين يتخذونها كلغة عبادة.
واحتلت اللغة العربية المرتبة الرابعة أو الخامسة بين لغات العالم، وهي اللغة الرسمية لـ 27 دولة، ولغة رسمية في الأمم المتحدة.
وفي اليوم العالمي للغة العربية كتب الساخر عوض سالم ربيع: «للعرب المعاني ولغيرهم الكلام، فقد أخطأ الأصمعي في آية السارق والسارقة... المائدة (38)، وختمها بقوله «والله غفور رحيم». فسمعه إعرابي فقال له: أتقرأ القرآن يا أصمعي قال: بلى. قال ما هذا بكلام الله، فكيف يكون الله غفورًا رحيمًا في آية الحد، فالله عزيزٌ حكيم. عز فحكم. لهذا كانت غلطة الأصمعي بعشر «قد يطحس البعير في شبر»!
ذكر شيخنا الأستاذ الدكتور عبدالله صالح بابعير في محاضرته بمنتدى الوفاء الحضرمي بمركز حضرموت للدراسات التأريخية والتوثيق والنشر بالمكلا، بتاريخ 14 ربيع الأول 1447هـ الموافق 6 سبتمبر 2025 أن اللهجة يتغير مسارها من مدينة إلى مدينة، بل من حي إلى حي. ففي مدينة المكلا، بؤرة المحاضرة، قد يُناديك شخصٌ من حي الشهيد: يا وريا، أي يا ولد، لوجود الجالية الصومالية في هذا الحي من أحياء العرب. ولو ذهب طالبٌ جامعي إلى رحلة ميممًا وجهه شطر البوادي والسمر والقتاد وخاطب بدويًا قائلاً: ناولني هذا السكين؟ سيلتفت البدوي يمينًا وشمالاً والسكين قدامه، فإذا أشار الطالب إلى السكين قال البدوي: أألمدية تقصد؟
العامية غير إعرابية المبنى والمعنى كاللهجة، لكن كلتاهما تربأ بنفسيهما عن السوقة وخشاش الناس، مما يدل أن العامية واللهجة كلتاهما بنات ناس.
وذكر شيخنا بابعير - حفظه الله - أن اللغة الأم ليست الرسمية بل هي تلك اللغة التي ينشأ عليها الطفل مذ يلقف ثدي أمه إلى أن يستوي على سوقه فيعجب الزراع، أي الوالدين، فاللغة الأم هي لغة بيئته أعجميةً كانت أم عربية.
لا الفُصحى ولا العامية ولا اللهجة أقمنا لها وزنًا في مواقع التواصل، فهم لا يفرقون بين شِعر امرئ القيس والكموج، فقد سأل أحدهم الآخر ما الكموج؟ فقال: أين قرأتها؟ قال: وليلٌ كموج البحر. فقال له: الكموج دابةٌ تقرأ ولا تفهم. ولو سمعها امرؤ القيس لسقط من دابته، ولقال يا ليت أمي ولدتني دما عبيطا.
أعود فأقول، والحديث للمحاضر، «اللهجة هي لغة الأسواق والمحادثات اليومية ولا يصدر بها قرار، لكن اللغة الرسمية هي لغة الدولة والمخاطبات والمكاتبات، أو ما يطلق عليها لغة الدواوين. وعبد الحميد الكاتب وحده ينهض دليلاً على ذلك، فقد حظي الكُتّاب بكلف الحكام خلافًا للشعراء، فالشعر رقة وعاطفة يطبع قلوب الناس، أما الكتابة فهي قوة خارقة مخاطبة الأمم بأسلوب منتقى يحفظ للدولة هيبتها ومكانتها».
ولن أجد مما قاله أفضل الثلاثة: الأستاذ الدكتور عبدالله صالح بابعير، والكاتب عوض سالم ربيع، وأخي المهندس صالح عمر بحاحن في شأن اللغة العربية في يومها العالمي.
