في حضرة الرائي
سبعة وعشرون عاما مرت كأنها ليلة، البردوني كان حاضرا، ولا يزال يشغل الخصوم ويشعل الحسوم. كل خصم يراه حساما في يده يغمده في عنق خصمه. لكنه يستحيل أحجية على جميعهم. في شعره تجدهم كلهم مدانون فلا يستطيعون له وصلا.
هو صاحب نبوءة لا يستطيعون ترويضها، قصيدة دائمة التمرد. لا يفارق الجديد القديم إلا بالولادة وليس بالملامح البردونية الصاخبة الناضحة الناضجة، تلك المتسللة إلى حيث لا يعلم طلابها، حيثما تتعلق بتلابيب المقهورين فتصير جزءا من جوعهم وأسمالهم وأحلامهم. فهم الوحيدون المخولون بالمفاخرة بمدينة الغد ومخاطبة الكون كله:
أفقنا على فجر يوم صبي *** فيا ضحوات الأماني اطربي
أتدرين يا شمس ماذا جرى *** سلبنا الدجى فجرنا المختبي
أتدرين أنا سبقنا الربيع *** نبشر بالموسم الطيب
وحين تبحث في كتاب المراثي الباكيات هذا الذماري لن تجد حروفا للجُفاة الفجور.. من بين أكثر من 30 حزبا لم ترثه إلا أربعة منها خجلى وبقيتها خفوت، بينها المؤمنون طبعا، «شاهدين على أنفسهم... بالأسماء والنعوت». وحتى الحزب المتفجر لم يرثه ولو من باب التشفي أو إسقاط الواجب، فاكتفى بالسكوت.
عندما سكتت الجموع عن تجدد الهوان باسم سبتمبر، وبكل الأسماء السافرة والمستترة، كان صاحبنا - ليس صاحبهم - يتفجر غضبا وألما، ولم ينسَ له طغاة ما بعد اليوم الصبي قوله:
لأنا رضعنا حليب الخنوع *** تقمصنا من صبانا الخضوع
فجعنا ليكتظ جلادنا *** ويطغى وننسى بانا نجوع
وحين شعرنا بنهش الذئاب *** شددنا على الجرح نار الدموع
ورحنا نجيد سباب الدجى *** ولم ندر كيف نضيء الشموع
وما دمت لا تجيد إشعال قنديل في الدجى، إذن:
لا تلم قادتنا إن ظلموا *** ولُم الشعب الذي أعطى الزماما
كيف يرعى الغنم الذئب الذي *** ينهش اللحم ويمتص العظاما
لا تلم دولتنا إن أشبعت *** شره المخمور من جوع اليتامى
نسقيها دمانا خمرة *** ونغنيها، فتزداد أواما
حين أيقظتنا الفاجعة أيقنا أن سبتمبر لم يعد فردوسنا، صرخ البردوني في وجه صنعاء عتابا حارا دافقا غضبا:
صنعاء يا أخت القبور *** ثوري فإنك لم تثوري
حاولت أن تتقيئي *** في ليلة عفن العصور
فدهاك غزو مثلما *** يحكون عن يوم النشور
أيد كايدي الأخطبوط *** وأوجه مثل الصخور
حينما أيقنتنا النبوءات، أخذنا الزهو وخذلنا كما الفكرة واكتمالها:
نفور وتطفئنا تفلة *** فتمتص أضغاننا في خشوع
وحين استحكمت تلك النبوءة فضاء الروح منا في ثنايا القصيد، أفقنا على صدى وجعنا العتيد:
ويوم ذكرنا بأنا أناس *** فثرنا ومتنا لتحيا الجموع
ولكن لبسنا رداء الأباة *** وفي دمنا المستظام الهلوع
فحين انتوينا شروع المسير *** حذرنا المغبة قبل الشروع
ولم نتنبه لما ينتظرنا، فاستدعينا كل هامة ولامة، وانشغلنا بالعرش ولم نفكر بالجلوس. فنحن لم نفكر بمكر يخرج فينا منا واخترنا رهب العداء الغاديات:
وليس عدونا وراء الحدود *** ولكن عدانا وراء الضلوع
وصلنا هنا لا نطيق المضي *** أماما ولا نستطيع الرجوع
بعد (الوكسة) الكبرى لم يكن ثمة ما نكسب، وليس لدينا ما نخسر، معادلة من شقين نتيجتها صفر جارح، وأن تخسر الجرح الغائر خير من أن لا تكسب.
ذاك عمر «عدلنا فأمنا»، فما عدلوا هم وما أمنوا. وجاءت الدلائل زرافات، منها عاجل ومنها آجل، ومنها ليوم الفصل.. لم يمهلهم البردوني فنصحهم بمعرفة مكانتهم، ليس بحشد الأنصار الذين يؤثرون السلامة حين الوغى، ولكن:
جربوا الشعب في شعبيتكم *** واخرجوا يوما بلا أقوى حراسة
جربوا كي تستبينوا مرة *** أين حكم الشعب من سوق النخاسة
ولم يقف قصفه للحكام بتلك السخرية، بل واصل التهكم على طرائق التعامل مع الآخر، ومقاربات الإصلاحات والسياسة الدولية والالتفاف على متطلبات النهوض ومتغيرات الواقع:
غاية التغيير أن تستبدلوا *** مكتبا أو ماسة أخرى بماسة
أن تصافوا من يعادي شعبكم *** مثل راجي الطهر في عين النجاسة
لا يقيكم قتل من شق العصا *** لا، ولا وصف التحدي بالخساسة
بيدي ألمس ما تخشونه *** صدقوا هذا التعيس ابن التعاسة
في رحلة ابن شاب قرناها، قرأ الرائي صيف 94 فتساءل، وأنصف:
تناجت (أهنسُ) عاد معرَبا؟ *** قياسا بصنعاء كان أرقى وأنظما
وواصل عرض المشهد الذي ما انفك يتجدد:
أجئتم تحيلون الديار خرائبا *** أأدري لماذا تهدمون المهدما
وتلك البيوت الغبر ما كان ذنبها *** على حلقنا استعصت لحوما وأعظما
وما ذنب دور الكتب قالوا أرتهم *** سوى ما نراهُ ثقفت من تعلما
فبولوا على تلك الكراريس كلكم *** وسموا رفيق الحبر وغدا ومجرما
صفوه شيوعيا ولو كان حاكرا *** ونادوه (بوذيا) وإن كان مسلما
ذاك الرائي، اليوم كأنه معنا يكابد:
لكن في صدري دجى الموتى وأحزان البيوت *** ونشيج أيتام... بلا مأوى... بلا ماء وقوت
وكآبة الغيم الشتائي وارتجاف العنكبوت *** وأسى بلا اسم...واختناقات بلا اسم أو نعوت.
