حين تتأخر مؤسسات الجمهورية عن معركة الذاكرة

مرت علينا قبل يومين الذكرى السابعة والعشرون لرحيل الشاعر عبدالله البردوني، وكان حضوره بين الناس أكبر من غيابه. شهدت منصات التواصل احتفاء شعبيا عفويا واسعا بقصائده وصوره ومقابلاته كما يحدث كل عام، بما يكشف المكانة التي ما يزال يحتلها في وجدان اليمنيين.
أما مؤسسات الشرعية المعنية بالثقافة، فمرت الذكرى عندها مرور الكرام كما حدث في أعوام سابقة كثيرة، من دون حضور ثقافي رسمي يوازي مكانة البردوني، ناهيك عن مشروع مستمر لجمع إرثه وتحقيقه ونشره وحفظه وتقديمه للأجيال.
والمؤسف أن الصورة في صنعاء مختلفة تماما.
فالمؤسسات الثقافية المحسوبة على سلطة الحـ،ـو،ثيين لم تترك البردوني للمناسبات العابرة. هناك حضور رسمي متكرر في إحياء ذكراه، واهتمام بجمع أعماله ونشرها وإعادة طباعتها وإصدار مواد لم تنشر في حياته.
ومنذ 2022 أخذ هذا الاهتمام شكلا مؤسسيا أوضح عبر هيئة الكتاب في صنعاء، فأصدرت أعمالا شعرية لم تطبع في حياته، وجمعت مقالات ومواد إذاعية له في كتب، بينها «ثوار في رحاب الله» عن أبطال ثورة 26 سبتمبر، وتعمل على استكمال إرثه الشعري والنثري والصحفي والإذاعي وإصدار أعماله الشعرية الكاملة.
وفي إحياء ذكرى رحيله هذا العام ذهبت المؤسسات الثقافية في صنعاء خطوة أبعد، فأعلنت وزارة الثقافة التابعة للحـ،ـو،ثيين عما سمته «مهرجان البردوني الأول» لمدة ثلاثة أيام، يتضمن فعاليات شعرية وقراءات نقدية وإصدار كتاب جديد له، على أن يتحول إلى فعالية سنوية.
أي أننا أمام عمل يتراكم من عام إلى آخر، من جمع التراث ونشره إلى إحياء الذكرى رسميا وإقامة مهرجان سنوي باسم البردوني.
وبالتوازي مع هذا العمل المؤسسي ظل البردوني حاضرا في إعلامهم ومنصاتهم وفعالياتهم، واستدعيت أشعاره مرارا في خطاب الحـ،ـرب وفي مواجهة خصوم الجماعة وما تسميه «العد،وان»، وانتقيت من أبياته نصوص جرى إسقاطها على معارك الحاضر.
لكن أكثر ما استوقفني في إعلان المهرجان هذا العام لم يكن المهرجان نفسه، وإنما عبارة وردت في الحديث عن أهدافه:
«إعادة تقديمه للأجيال القادمة».
وهنا تكمن المسألة.
أي بردوني سيصل إلى جيل لم يعش الإمامة ولا ثورة سبتمبر، وربما تأتي معرفته بالرجل أساسا مما يقدم له اليوم من كتب ومقاطع ومنصات؟
البردوني ليس مجرد شاعر كبير يمكن فصل تجربته عن تاريخ اليمن الحديث.
كان شابا حين ساند ثورة الدستور عام 1948، وبعد فشلها وما أعقبها من انتقام الإمام أحمد من الثوار وأنصارهم سجن في القشلة بذمار. ومن داخل السجن كتب «فتوى إلى غير مالك» ووجهها إلى الإمام أحمد نفسه:
«سأظل أسأل أحمدا لا مالكا
كيف استطبت بأهلك الإجحافا؟»
ثم واجهه بما جرى من قتل وسجن:
«هل قال قتل أبيك ترقى بعده
تفني وتسجن بإسمه الآلافا؟»
لم يصبح البردوني جمهوريا بعد سقوط الإمامة، بل كان يناوئها وهي تحكم ويدفع من حريته ثمن موقفه.
وحين قامت ثورة سبتمبر كان موقفه امتدادا طبيعيا لذلك التاريخ. وفي «الحكم للشعب» قال:
«لا البدر لا الحسن السجان يحكمنا
الحكم للشعب لا بدر ولا حسن»
لكنه لم يتحول بعد الثورة إلى شاعر سلطة، وظل ناقدا للجمهورية وحكامها حين رأى فيها ما يناقض المعنى الذي انتصر له:
«أي نفع يجتني الشعب إذا
مات فرعون لتبقى الفرعنه؟»
وهنا تكمن قيمة البردوني الحقيقية. جمهوريته لم تكن ولاء لحاكم ولا مجرد اسم لنظام سياسي، بل موقفا من الإمامة والسلالة والاستبداد والفرعنة.
ولهذا تصبح عبارة «إعادة تقديمه للأجيال القادمة» جديرة بالانتباه.
فإعادة تشكيل صورة رمز كبير لا تحتاج إلى تغيير كلماته أو تزوير تاريخه. يكفي الانتقاء وإعادة السياق، وأن يظل جانب من تجربته حاضرا ومتكررا بينما تتراجع جوانب أخرى بالتدريج من الصورة.
ولا يحتاج الحـ،ـو،ثيون إلى الادعاء بأن البردوني كان واحدا منهم، فهذا لن يصمد أمام شعره وتاريخه. يكفي أن يتراجع في ذاكرة الجيل الجديد البردوني الذي عرف الإمامة وناوأها، وأن يتقدم بدلا منه شاعر غاضب من الحرب والسعودية والفساد والأنظمة السابقة، وتستدعى أبياته في هذا السياق باستمرار.
كما أن الاحتفاء به يمنح سلطة الحـ،ـو،ثيون فائدة سياسية واضحة. فالسلطة التي تطبع كتب البردوني وتحيي ذكراه وتقيم مهرجانا باسمه تستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها غير معادية للجمهورية ولا امتدادا للإمامة التي ناهضها الرجل.
ويصبح هذا المعنى أوضح حين ننظر إلى سردية أوسع يجري الاشتغال عليها منذ سنوات، تقدم 21 سبتمبر بوصفها امتدادا لثورة 26 سبتمبر أو تصحيحا لمسارها، انطلاقا من القول إن ثورة سبتمبر لم تحقق أهدافها وإن الجمهورية أخفقت في استكمالها أو انحرفت عنها.
وفي مثل هذه الرواية تصبح رموز سبتمبر نفسها مهمة، لأن استدعاءها يساعد على إعادة تفسير الثورة من داخل تاريخها وأسمائها.
وهذا ما ظهر أيضا مع اسم محمد محمود الزبيري، أحد أبرز رموز الثورة على الإمامة. ففي سبتمبر 2024 ظهر نجله عمران محمد محمود الزبيري على قناة «الهوية» الحوثية، وقدم 21 سبتمبر في سياق الاستكمال والتصحيح لثورة 26 سبتمبر، ثم عين بعد أيام عضوا في مجلس الشورى بصنعاء.
ليس المهم هنا رأي الابن بحد ذاته، وإنما قيمة الاسم الذي يحمله. فعندما يدخل اسم الزبيري نفسه في رواية تجعل 21 سبتمبر امتدادا لـ26 سبتمبر، ندرك أن المسألة أوسع من البردوني، وأن هناك اشتغالا على رموز الجمهورية وذاكرتها وإعادة وضعها داخل رواية جديدة.
ومع ذلك لا ينبغي وضع كل من يعمل على تراث البردوني في صنعاء داخل دائرة الاتهام. قد يكون بين القائمين على جمع أعماله من يتحرك بدافع ثقافي صادق، وجمع هذا الإرث وحفظه ونشره عمل مطلوب في ذاته.
كما لا يصح اتهام أي إصدار جديد بالتحريف أو التزوير من دون الرجوع إلى الأصول والمخطوطات والتحقيق العلمي.
لكن ذلك شيء، والتوظيف السياسي لرمزية البردوني شيء آخر، وهو توظيف ظاهر منذ سنوات في الإعلام والفعاليات وانتقاء الأبيات وإسقاطها على معارك الحاضر.
ومع هذا كله فإن السؤال الذي يعنيني أكثر ليس لماذا يفعلون ذلك، بل لماذا لا نفعل نحن ما ينبغي علينا فعله؟
لماذا أدركت المؤسسات الثقافية المحسوبة على سلطة الحـ،ـو،ثيين قيمة البردوني والكتاب والرمز والذاكرة، بينما ما تزال وزارة الثقافة وهيئة الكتاب التابعة للشرعية غائبتين عن مشروع يوازي أهمية ما تقول الدولة إنها تدافع عنه؟
فالاحتفاء برموزنا الوطنية ليس مجاملة تؤدى لهم بعد رحيلهم ولا طقسا موسميا في ذكرى ميلاد أو وفاة. هو وفاء لما صنعوه، وحفظ لمكانهم في تاريخ البلد، وإبقاء لمعانيهم حاضرة في وعي الأجيال.
وإهمال رموز الجمهورية ليس مجرد تقصير ثقافي، بل خذلان لهم وللتاريخ الذي صنعوه وتفريط في جزء من الذاكرة الوطنية التي أسهموا في بنائها.
والدولة التي تقول إنها تدافع عن الجمهورية أولى بالوفاء لمن مهدوا لها بالفكر والكلمة والموقف، وأولى بأن تحفظ إرثهم وتقدمه للأجيال بدلا من أن تترك الأفراد وحدهم يحملون هذه المهمة أو تجعل خصومها الأكثر حضورا فيها.
والبردوني هنا أنموذج لمشكلة أكبر.
نحن نخوض معركة لاستعادة الدولة وكأنها تدور في الجغرافيا وحدها، بينما هناك معركة أخرى على التاريخ والهوية والذاكرة وعلى معنى سبتمبر والجمهورية نفسها.
قد تستعاد مدينة حين تتغير موازين القوة، أما وعي جيل تشكل طوال سنوات على رواية واحدة فإعادة بنائه أصعب.
لهذا لا تخاض معركة الجمهورية بالسلاح وحده. الكتاب والوثيقة والأرشيف والمدرسة والجامعة والإعلام والمنصة الرقمية كلها ساحات في معركة الوعي.
والمطلوب ليس صناعة دعاية مضادة، بل مشروع وطني للذاكرة يجمع إرث البردوني ويحققه ويرقمنه ويتيح تسجيلاته ومقابلاته ومخطوطاته، ويفعل الشيء نفسه مع الزبيري والفضول والنعمان والمقالح وغيرهم من رموز الحركة الوطنية والجمهورية.
قدموا البردوني كما كان.
الشاعر الذي ساند ثورة الدستور فسجن، وواجه الإمام أحمد من سجنه، وناهض الإمامة قبل سقوطها، وفرح بسبتمبر، ثم ظل حرا بما يكفي لينتقد الجمهورية عندما أخطأت.
وحين تقول مؤسسات صنعاء اليوم إنها تريد «إعادة تقديم البردوني للأجيال القادمة» فليس المطلوب أن نمنعها من الاحتفاء به أو نشر كتبه. البردوني لليمنيين جميعا.
المطلوب أن نسأل مؤسسات الشرعية: ماذا تفعلون أنتم حتى يصل البردوني إلى الأجيال كما ترك نفسه في شعره وفكره وتاريخه؟
ليس من المقبول أن تكون المؤسسات الثقافية المحسوبة على سلطة الحـ،ـو،ثيين صاحبة المشروع والإصدارات والمهرجان والحضور، بينما تتأخر المؤسسات الرسمية التي يفترض أنها تحمل مشروع الجمهورية عن واحد من أهم رموز ذاكرتها.
فالفراغ لا يبقى فراغا، ومن يهمل ذاكرته سيأتي من يرويها عنه بطريقته.
ومعركة الجمهورية ليست على الأرض وحدها، بل على تاريخها ومعناها وذاكرتها أيضا.
