في خضم السجال المتواصل حول استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، ينشغل الخطاب السياسي والعسكري غالبًا بسؤال واحد: متى تُحسم المعركة؟ بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية: هل بدأنا في بناء الدولة التي نقاتل من أجلها؟
فالغاية من هزيمة الانقلاب ليست مجرد استعادة الأرض أو المؤسسات، وإنما استعادة الدولة بمعناها الحقيقي؛ دولة القانون، والعدالة، والكفاءة، والمواطنة، والمؤسسات القادرة على خدمة الإنسان وصون كرامته.
لقد كشفت سنوات الحرب أن الانتصار العسكري، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة. فكم من دولٍ انتصرت في ميادين القتال، لكنها تعثرت في معركة بناء المؤسسات، فضاعت ثمار النصر بين الفساد وضعف الإدارة وتآكل الثقة. ولهذا، فإن المشروع الوطني لا يكتمل بدحر الانقلاب، بل يبدأ بعده، حين تتحول التضحيات إلى مؤسسات، والانتصارات إلى مشروع دولة.
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي تجاهله: هل استطاعت المناطق المحررة أن تقدم نموذج الدولة الذي ينتظره اليمنيون؟
فالمناطق المحررة ليست مجرد جغرافيا خرجت من قبضة الانقلاب، بل هي الساحة الأولى التي يُختبر فيها مشروع الدولة، والنافذة التي ينظر منها ملايين اليمنيين إلى المستقبل. فما يتحقق فيها من أمن وعدالة وخدمات وتنمية، وما يُرتكب فيها من أخطاء وإخفاقات، ينعكس مباشرة على صورة الدولة في أذهان المواطنين، داخل المناطق المحررة وفي المحافظات الواقعة تحت سيطرة الانقلاب.
إن نجاح الدولة في المناطق المحررة في فرض سيادة القانون، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات، وإعلاء الكفاءة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، سيجعلها نموذجًا وطنيًا جاذبًا، ويؤكد أن مشروع الدولة أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والازدهار من أي مشروع قائم على القوة أو فرض الأمر الواقع.
أما إذا بقيت هذه المناطق أسيرة الاختلالات، وضعف الإدارة، وتراجع الخدمات، فإنها ستفقد أهم عناصر قوتها السياسية والمعنوية، لأن المواطنين لا يقارنون بين الشعارات، بل بين نماذج الحكم على أرض الواقع.
إن بناء نموذج ناجح للدولة في المناطق المحررة هو أول أسلحة هزيمة الانقلاب؛ لأنه يخاطب المواطن بالإنجاز لا بالخطاب، ويكسب ثقته بالفعل لا بالوعود، ويجعل فكرة الدولة أكثر حضورًا وإقناعًا من أي خطاب تعبوي.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الانتصارات العسكرية قد تفتح أبواب المستقبل، لكنها لا تصنعه وحدها. فالمستقبل تصنعه الإدارة الرشيدة، والقضاء المستقل، والاقتصاد المنتج، والتعليم الحديث، والمؤسسات التي تقوم على الكفاءة والمساءلة وسيادة القانون.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل معركة، وكل حوار سياسي، وكل تسوية قادمة، ليس: من سيحكم؟ بل: كيف نبني دولة تستحق أن يلتف حولها اليمنيون جميعًا؟
إن الطريق إلى استعادة العاصمة صنعاء، وكل المحافظات الخاضعة لسيطرة الانقلاب، لا يمر عبر الجبهات وحدها، بل يبدأ من نجاح مشروع الدولة في المناطق المحررة. فعندما يرى المواطن دولة تحمي حقوقه، وتوفر الخدمات، وتفرض القانون على الجميع، وتُعلي قيمة الكفاءة، فإنها تصبح أقوى رسالة سياسية، وأكثر تأثيرًا من أي انتصار عسكري.
فالمعركة الحقيقية ليست معركة إسقاط الانقلاب فحسب، بل معركة الانتصار لفكرة الدولة. والدولة لا تُبنى بعد انتهاء الحرب، بل تُبنى في خضمها، لتكون أول أسلحة النصر، وأقوى وسائل استعادة العاصمة صنعاء، وأمتن ضمانة لوطنٍ آمنٍ ومستقر، يتسع لجميع أبنائه، وتكون فيه الدولة هي المنتصر الأكبر.
