جهود مهدورة.. تقصير رسمي.. ووعي مجتمعي غائب
بين قصور «الصندوق» والسلوكيات الخاطئة.. المواطن يدفع ثمن التلوث وانتشار الحُمّيات


14 أكتوبر/ عدن / خاص :
استطلاع / خديجة الكاف / إيفاق سلطان :
لم تعد أزمة النظافة في العاصمة المؤقتة عدن مجرد مشهد عابر تشوهه أكوام المخلفات المنتشرة في بعض الشوارع والأحياء، بل تحولت إلى قضية بيئية وصحية متفاقمة تهدد حياة السكان، في ظل تزايد المخاوف من انتشار الحشرات وعودة الحُمّيات والأمراض المرتبطة بتراكم النفايات وغياب المعالجات المستدامة.
وتُعد النظافة العامة أحد أبرز المؤشرات التي تعكس مستوى وعي المجتمعات واهتمامها بالصحة العامة، إلا أن واقع عدد من المناطق في عدن يكشف عن تحديات متزايدة، تتراوح بين ضعف مستوى بعض الخدمات، وتأخر رفع المخلفات، وقلة حملات الرش والتعقيم، إلى جانب استمرار ممارسات مجتمعية خاطئة تسهم في تفاقم الأزمة.
وفي الوقت الذي تحظى فيه جهود عمال النظافة بتقدير واسع لما يقدمونه من عمل شاق في ظروف مناخية ومعيشية صعبة، يؤكد مواطنون أن معالجة الأزمة تتطلب ما هو أبعد من جهود العمال، بحيث تشمل تحسين أداء الجهات المختصة، وتعزيز الرقابة، وتوفير الإمكانات اللازمة، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي.
ويبقى السؤال المطروح: هل تعود أزمة النظافة إلى ضعف الإمكانيات والإدارة، أم أنها ترتبط أيضًا بسلوكيات المجتمع؟ وهل يمكن لجهود عمال النظافة وحدها أن تواجه هذا التحدي المتشعب؟
جهود عمال النظافة
تؤكد نعمة عبدالله، من مديرية التواهي، أن عمال النظافة يبذلون جهودًا واضحة في الميدان، مشيرة إلى أنهم يواصلون جمع المخلفات ونقلها رغم الظروف الصعبة التي يعملون فيها.
وتقول: “نقدّر جهود العمال وما يقومون به يوميًا، لكن المشكلة أن الحميات والأمراض التي ينقلها البعوض ما زالت تنتشر بين السكان، ونحتاج إلى حلول شاملة لا تقتصر على رفع القمامة فقط، بل تشمل الرش والتعقيم المستمر”.
من جهته، يرى هادي سيف، من مديرية المعلا، أن عمل عمال النظافة من المهام الشاقة التي تحتاج إلى مزيد من الدعم، سواء من خلال توفير الأدوات أو المواد التي تساعدهم على أداء واجبهم بصورة أفضل.
ويضيف: “نشاهد العمال يعملون ليلًا ونهارًا وفي مختلف الظروف، لكنهم بحاجة إلى دعم أكبر، خصوصًا في ما يتعلق بمواد التعقيم والاحتياجات الأساسية التي تساعد على حماية الأحياء بعد رفع المخلفات”.
سلوكيات خاطئة
في المقابل، تشير هانم علي سعيد، من مديرية القلوعة، إلى أن أزمة النظافة لا ترتبط فقط بعمل الجهات المختصة، بل تتأثر أيضًا ببعض الظواهر والسلوكيات التي تحتاج إلى معالجة.
وتوضح أن عمال النظافة يستحقون التقدير لما يقدمونه من جهود، لكنها تلفت إلى ظاهرة طلب بعض العمال المساعدة المالية من المواطنين تحت مسميات مختلفة.
وتقول: “رؤية العامل الذي يعمل تحت الشمس وفي ظروف صعبة أمر يستحق الاحترام، لكن وصول بعضهم إلى طلب المساعدة من المارة يطرح تساؤلات حول مستوى الدعم والرعاية التي يحصلون عليها”.
وترى أن تحسين أوضاع العمال ومعالجة هذه الظواهر مسؤولية الجهات المعنية، بما يحفظ كرامة العامل ويعزز مكانة العمل الخدمي في المجتمع.
تقصير رسمي وغياب الوعي
وترى المحامية سحر أحمد هزاع، من مديرية دار سعد، أن أزمة النظافة وصلت إلى مستوى مقلق، في ظل انتشار أكوام القمامة والروائح الكريهة والحشرات في عدد من المناطق.
وتوضح أن المشكلة لا ترتبط بالإمكانات فقط، بل تشمل ضعف الرقابة وغياب المحاسبة، مؤكدة أن الحل يتطلب تفعيل القوانين واللوائح الخاصة بالنظافة العامة.
وتقول: “لا يمكن تحميل جهة واحدة كامل المسؤولية، فهناك تقصير من بعض الجهات، لكن هناك أيضًا ممارسات خاطئة من بعض المواطنين، مثل رمي المخلفات خارج الحاويات أو من نوافذ السيارات والمنازل”.
وتؤكد أن المعالجة تحتاج إلى توفير حاويات كافية، وانتظام عمليات رفع المخلفات، وفرض غرامات على المخالفين، بالتزامن مع نشر ثقافة بيئية تبدأ من المنزل.
ويتفق معها أحمد محمد طاهر، موظف حكومي، الذي يرى أن الأزمة تحمل جانبين رئيسيين: الأول يتعلق بعدم انتظام رفع المخلفات في بعض المواقع، والثاني يرتبط بسلوكيات بعض السكان.
ويقول: “عندما تتأخر عملية رفع القمامة تتراكم المخلفات، لكن بعض المواطنين يزيدون المشكلة عندما يرمون الأكياس خارج الحاويات أو في أوقات غير مناسبة، ما يؤدي إلى انتشار الروائح والحشرات”.
نقص براميل القمامة يضاعف معاناة الأحياء
من جانبها، تصف المعلمة أميمة عبده الوضع في بعض الأسواق والشوارع بأنه أصبح غير مقبول، مشيرة إلى أن نقص براميل القمامة مقارنة بالكثافة السكانية يعد أحد أسباب انتشار المخلفات.
وتؤكد أن المواطن شريك أساسي في الحل، قائلة: “رمي النفايات من السيارات أو في الطرقات سلوك يضر بالجميع، وينعكس بشكل مباشر على صحة الأطفال وسكان الأحياء”.
أما أم محمد فتشير إلى المخاطر الصحية الناتجة عن تراكم المخلفات بالقرب من المدارس والمناطق السكنية، محذرة من انتشار الأمراض وتجمع الحيوانات الضالة حول مواقع التلوث.
وتطالب الجهات المختصة بتحمل مسؤولياتها في حماية الصحة العامة، والعمل على تحسين مستوى النظافة في مختلف الأحياء.
آثار اقتصادية وأسواق تتأثر
لم تتوقف تداعيات أزمة النظافة عند الجوانب الصحية والبيئية، بل امتدت آثارها إلى النشاط التجاري في الأسواق والمناطق الحيوية.
ويشير ياسر عباد، أحد أصحاب المحال التجارية، إلى أن تراكم المخلفات أمام المتاجر يؤثر على المظهر العام، وقد يؤدي إلى تراجع إقبال بعض الزبائن.
ويقول: “نحن ملتزمون بدفع رسوم النظافة والخدمات، لكننا نضطر أحيانًا إلى تنظيف المساحات المحيطة بمحلاتنا بسبب تراكم المخلفات والروائح، ونأمل وضع آلية تضمن رفع القمامة في أوقات مناسبة قبل بدء الحركة التجارية”.
النظافة مسؤولية مشتركة
ويؤكد أبو صالح أن النظافة مسؤولية جماعية لا تقع على جهة واحدة فقط، مشددًا على أهمية الشراكة بين المؤسسات والمجتمع في مواجهة الأزمة.
ويقول: “إلقاء القمامة خارج الحاويات أو رمي المخلفات في مجاري تصريف المياه يعكس ضعف الوعي البيئي. النظافة تبدأ من سلوك الفرد داخل منزله، وإذا لم يشعر المجتمع بمسؤوليته فلن تتمكن أي جهة منفردة من إنهاء الأزمة”.
خاتمة
تكشف أزمة النظافة في مديريات العاصمة عدن عن مشكلة تتجاوز الجانب الخدمي والمظهر الحضاري، لتصبح قضية مرتبطة بالصحة العامة وسلامة المجتمع، خصوصًا مع ارتباط تراكم المخلفات بانتشار الحشرات والأمراض، ومعالجة هذه الأزمة تتطلب رؤية متكاملة تقوم على تحسين أداء الجهات المختصة، وتعزيز الرقابة، وتوفير الإمكانات اللازمة، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي وتغيير السلوكيات الخاطئة، فالنظافة ليست مسؤولية عمال النظافة وحدهم، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة والمجتمع والمؤسسات، لأن البيئة النظيفة حق للجميع، والحفاظ عليها واجب يشارك فيه الجميع.

عدن تختنق بالنفايات..

أزمة نظافة تهدد الصحة العامة.. بين تقصير رسمي ووعي مجتمعي غائب
