كيف قرأت السياسة البريطانية أهمية هذه الجغرافيا في إدارة الأزمات؟


- 1914م كان قد طُلب من المقيم السياسي البريطاني في عدن البريجريد جنرال ايه بيل (1910 ـ 1914م) أن يقدم آراءه حول شتى أنواع الاحتلال المقترحة للحديدة والجزر القريبة منها
- 1834م بدأ اهتمام بريطانيا بجزيرة سقطرى عندما كتب الملازم البريطاني ولستد مقالاً جاء فيه: أن جزيرة سقطرى تقع على الطريق البحري الهام الموصل إلى الهند عبر البحر الأحمر من ناحية المدخل الجنوبي
- 1828م أوضح الميجور جنرال باجنول ممثل بريطانيا باليمن أهمية ميناء عدن المتحكم بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر والمقابل للمحيط الهندي

14 أكتوبر / خاص :
نجمي عبدالمجيد :
حين تستدير الأزمات نحو نفس مواقعها السابقة ويعاد كشف الحساب بتلك المعادلات التي صنعت محاور صراعاتها تصبح قضية العودة لما كان في مرجعية تلك الأحداث جزءاً من مجريات الراهن، بل ما كان منها في الماضي يعود كي يذكر ان تاريخ المناطق الهامة لن يسقط من ذاكرة الصراعات.
حين ننظر لما يتصاعد من مواجهات في المنطقة عند مضيق هرمز وبحر العرب ومضيق باب المندب وجزيرة ميون والمسافات البحرية بين الصومال وعدن وغيرها من الساحل الأفريقي وقناة السويس وحتى سواحل البحر الأبيض المتوسط من صراع القوى الاقليمية والدولية في إعادة سياسة السيطرة على ما كان يعرف بمواقع الاستعمار القديم.
ونحن نجد مما كان من ارشيف التاريخ البريطاني كيف تمر مجريات الصراع حول المواقع والمنافذ وخطوطها الهامة والرابطة بين المصالح وفرض السيطرة.
ولعدن مكانتها في هذا الصراع والذي مازال حتى اليوم بعيداً عن قوة المواجهة وان بدأت بعض عوامل الزحف العسكري والجوي من عدة دول كل منها يسعى إلى جعل حضوره قوة فاعلة في صناعة القرار السياسي بل جعل له في هذه المواقع حسابات ليست على حالة تجاوزها وفرض غيرها من سياسة الأمر الواقع.
وهنا نعيد قراءة بعض من تلك الوثائق، هذا التاريخ مع محاولة الاسقاط التاريخي بين ما جرى وواقع اليوم لأن الجغرافية لا تتغير والأحداث تظل متقاربة.
مما جاء في بعض الوثائق البريطانية حول أهمية عدن ومقارنة مكانتها مع بعض المراكز الهامة في الاستعداد للحروب أو لمهام اخرى، لان عدن تحتل موقعاً هاماً عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي وعلى طريق - بحراً - تصل إلى مضيق هرمز وهي الأماكن التي جعلت منها بريطانيا طرقاً لقواتها البحرية.
تشكل عدن حلقة اتصال بين الساحل الشرقي والغربي للبحر الأحمر والساحل الجنوبي للجزيرة العربية فقد عملت بريطانيا انظارها عليها منذ عام 1618م لذلك أخذت تعمل على احتلالها وجعلها قاعدة لسفنها الحربية في منطقة البحر الأحمر والمحيط الهندي وهو ما تعمل عليه القوى الكبرى في العالم.
وفي الأمر تذكر إحدى الوثائق البريطانية (وقد نجح ممثل الحكومة البريطانيا في عقد اتفاقية مع سلطان لحج وعدن في سنة 1802م تقضي بفتح عدن ابوابها للتجارة البريطانية.
وتعتبر تلك الاتفاقية بداية للتدخل البريطاني الرسمي في شؤون عدن ومدخل البحر الأحمر).
عام 1805م كتب اللورد فالنتينا حول مسألة استكشاف المنطقة من الناحية الاستراتيجية العسكرية، وما طرح لم يزل له حضوره الفاعل في صنع القرار السياسي في هذه المنطقة لان من يصنع هذا القرار هي الجغرافية السياسية.
وأكد فيما قال على أهمية طريق البحر الأحمر بالنسبة للتجارة مع الهند وكذلك اقترح دعم وتعزيز الجانب العسكري لنفوذ بريطانيا وهو ما تسعى إليه القوى الكبرى اليوم في بسط الهيمنة على كل خطوط البحر الأحمر والممرات في هذا الصراع.
كما أوصى بضرورة احتلال عدن لانها تشكل موقعاً استراتيجياً مهما يتحكم بمدخل البحر الأحمر ووصفها بأنها جبل طارق الشرق وهي مازالت حتى اليوم تدور في نفس الهدف العسكري للقوى العالمية.
في سنة 1828م أوضح الميجور جنرال باجنول والذي كان يشغل منصب ممثل بريطانيا باليمن الأهمية الكبرى عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لميناء عدن المتحكم بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر والمقابل للمحيط الهندي لذلك أوصى باحتلاله.
فهل يحدث هذا الأمر في المستقبل ويتعرض ميناء عدن للاحتلال من قبل قوى اقليمية أو دولية ويتحول إلى قاعدة عسكرية؟!
كذلك ذكر السير روبرت جرانت حاكم بومباي أهمية احتلال عدن في خطابه المرسل إلى رئيس ادارة شركة الهند الشرقية في لندن في فبراير عام 1838م قال فيه: (ان أهمية عدن بالنسبة لنا لا تقدر بثمن إذ انه يمكن استخدامها كمخزن ومحطة لتموين السفن التجارية طيلة فصول السنة كما انها مركز التقاء ومرفأ ممتاز لرسو السفن التي تعبر طريق البحر الأحمر فضلاً عن انها قاعدة عسكرية قوية تؤمن الاستفادة والسيطرة على تجارة البحر الأحمر والخليج العربي والساحل المصري المواجه إذا ما اصبحت عدن ملكاً لنا فإنها كجبل طارق وانني أنظر إلى الموضوع بشمول وبعمق أكثر ـ فهناك امتان كبيرتان تتآمران علينا وتودان القضاء على قوتنا في الشرق أولهما روسيا وهي تتجه نحونا من خلال ايران والثانية فرنسا وهي آتية من خلال مصر وحتى نتصدى لهذه التهديدات يتحتم علينا ان نقيم مراكز دفاعية متعددة فيما وراء نطاق حدودنا).
وفي هذا السياق مما كتب عن عدن في قلب الصراعات الدولية يقدم لنا الأستاذ الدكتور فاروق عثمان اباظة العديد من المعلومات الهامة التي تؤكد منزلة عدن في المواجهة عبر الجغرافية والتي تشكل التمدد الأوسع في كل حقبة يتصاعد الصدام بين من لهم مشاريع قادمة نحو هذا المكان ومن لا يقبلون سيطرة قوى خارجية على هذه الممرات الهامة في مختلف الجوانب. ومما يقوله لنا هذا الباحث في هذا الخصوص: (ارتبط تاريخ عدن بتاريخ البحر الأحمر الشريان الهام للمواصلات الدولية بين الشرق والغرب فهي بحكم موقعها الممتاز تسيطر على مدخله الجنوبي وتتحكم فيه ولذلك عرفت لدى الكثيريين بأنها جبل طارق الشرق كما ارتبط تاريخ عدن أيضاً بتاريخ الركن الجنوبي الغربي للجزيرة العربية، وبتاريخ اليمن التي تغطي هذا الركن وتمتد من جنوب نجد والحجاز في الشمال إلى البحر العربي في الجنوب ومن حدود عُمان والربع الخالي شرقاً إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب غرباً وهي الحدود الأصلية لليمن الطبيعية.
وقد استمر هذا الركن الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية عرضة لتغييرات متتابعة نتيجة لما كان يحدث فيه من اضطرابات داخلية وما طرأ عليه من مؤامرات خارجية.
وكانت عدن مركزاً للسيطرة على هذا الجزء كله مما جعلها أول نقطة يحرص الفاتحون الجدد على الاستيلاء عليها والتحصن فيها.
كما كانت آخر نقطة يحرص المغلوب على التشبت بها والدفاع عنها حتى يضطر لتسليمها إذا فرضت عليه المقادير ذلك.
وقد عُرفت عدن أيضاً بأنها عين اليمن لانها تعتبر أهم منفذ طبيعي لها على بحر العرب والمحيط الهندي فضلاً عن تحكمها في طريق البحر الأحمر).
وبالعودة إلى الوثائق البريطانية يقدم لنا نفس الكاتب عدة اطروحات مازالت في اطار فعلها التاريخي الذي لا يتراجع مهما تقدمت الأحداث في مسار الزمن بعيداً عن حقب صناعتها، وهو ما يدل على قوة الحضور الجغرافي في كل مشهد سياسي يصنع حسب قيادة الأغراض والأهداف في هذه المنطقة والتي مازالت حتى اليوم مستهدفة من قبل من يقودون مشاريع السيطرة والهيمنة في عالم السياسة.
في الاطار يقول الكاتب (ولاشك ان تقرير هينز قد أحدث فعله في الدوائر البريطانية مما ادى إلى اجتماع لجنة اخرى منبثقة عن مجلس العموم البريطاني في سنة 1837م للنظر في انشاء وتأسيس خط ملاحي تجاري بين بريطانيا والهند عبر البحر الأحمر.
وقد اشار بعض الخبراء بإقامة محطات ومخازن للفحم في جزيرة سقطرى وبريم وكران وفي موانئ المخأ والمكلا وغيرها.
غير ان الكولونيل كامبل القنصل البريطاني العام في مصر كتب إلى وزارة الخارجية البريطانية في شهر نوفمبر 1837م يؤيد فكرة السيطرة على عدن ويحبذها.
وقال كامبل في رسالته ان سيطرة بريطانيا على عدن ستتيح لها فرصة الاستفادة من موقعها الممتاز وامكانياتها الطبيعية لجعلها محطة ومخزنا لتموين السفن البخارية بالفحم والمياه والمؤن اللازمة لها لتحقيق فكرة اقامة خط للمواصلات البحرية بين بومباي والسويس عبر البحر الأحمر.
كما أن وجود البريطانيين في عدن سيحول دون امكانية قيام محمد علي والي مصر أو غيره بمحاولة مد فتوحه فيما وراء البحر الأحمر كما سيوقف توسعه في الجزيرة العربية بما لا يجعله قادراً على التحكم في طريقي المواصلات البريطانية إلى الهند عبر البحر الأحمر والخليج العربي.
بل أن كامبل رأى ايضاً أن سيطرة البريطانيين على ميناء عدن يوفر لهم إمكانية تحويل تجارة البن اليمني من ميناء المخا لتتركز على ميناء عدن يعطي برطانيا سيطرة كاملة على هذه التجارة الهامة ويمكنها من تحطيم المنافسة الأمريكية بعد أن أصبح الامريكيون يحصلون على جزء كبير من هذه التجارة وكادوا يحتكرونها.
ولهذا فإن سيطرة البريطانيين على عدن في ذلك الوقت ستحقق لبريطانيا فوائد جمة من زوايا متعددة).
وعن التحرك العسكري البحري البريطاني في جزيرة البحر الأحمر تقدم لنا هذه الوثيقة رقم 258ـ HP لعام 1915م هذه المعلومات:
شعبة من 15 مدفعاً ميدانياً.
فصيلتان من كتيبة بريكنو شير الأولى من رجال حدود جنوبي ويلز.
شعبتان من مدافع 450 الآلية من كتيبة بريكنو شير.
ثلاث سرايا من لواء المشاة 109.
شعبتان من مدافع 1450 الآلية من لواء المشاة 109 وبعض الطبيين.
وفي 8 يونيو وصلت السفينة إلى جزر حنيش الكبرى حيث هبط إلى الأرض ضابط هندي و45 رجلاً من لواء المشاة 109 مع رجال المدفعية الميكانيكية رقم 450 ومجموعة معدة من القوات إلى جزيرة زقر حيث رفع العلم البريطاني في مكان واضح.
وفي اليوم التاسع من يونيو انزلت السفينة امبرس اوف رشيا مجموعة مسلحة تحت قيادة الميجور فيلوز من لواء المشاة رقم 109 إلى كمران أما مساعد الجراح ج ـ أـ ريتشار رقم 109 إلى كمران الذي كان في السابق نائب قنصل في الحديدة وكمران فقد نزل هو الآخر ليعمل ضابطاً سياسياً مع مسؤولية إضافية عن البوليس والخزانة والجمارك.
عندئذ تقدمت السفينة أمبرس اوف رشيا إلى الصليف في محاولة لإطلاق سراح ستة من الرعايا البريطانيين كانوا محتجزين لدى الأتراك.
وبعد غياب دام يومين، عادت أمبرس أوف راشيا إلى كمران حيث انزلت إلى البر ما تبقى على ظهرها من جنود وإمدادات تكفي لمدة شهر واحد. وتولى الميجور فيلوز قيادة الإدارة العسكرية المؤقتة في كمران بوصفه الرئيس السياسي والقائد العسكري، وبهذه الصلاحية أرسل هيئة محطة الحجر الصحي العثمانية إلى عدن.
هذا التحرك الحربي البريطاني حول جزر البحر الاحمر لم يخرج من صراعات اليوم. ما زالت القوى الإقليمية والدولية تعمل في نفس الاتجاه كي تضع يدها على الممرات والمراكز، وكل من يدرس نظريات علم السياسة يدرك إن العودة إلى مرجعيات التاريخ تعطي صناعة القرار السياسي بعد النظر في تحرك عناصر القوة الضاربة.
ومن الغفلة في السياسة إحراق المراحل أو القفز فوقها لذلك لن يكتب لسياسي النجاح مالم يقرأ التاريخ.
ومما جاء في الوثائق البريطانية: الاحتلال البريطاني لجزر فرسان 29ـ 12ـ 1916م ـ 23ـ 1ـ 1917م :( وفي اليوم نفسه طلبت وزارة الخارجية من الأدميرالية أن توجه تعليماتها إلى القائد العام لمنطقة جزر الهند الشرقية ليرفع العلم البريطاني على جزر فرسان.
وقد نبه القائد العام إلى أن من المعتقد أن الإيطاليين: قد يقومون بهجوم مسلح على هذه المواقع المطلوبة عند كل طرف يسعى سياسياً وعسكرياً لاحتلالها.
بالرغم من المسافات الزمنية الفاصلة بين ما جرى منذ عقود طويلة، قد يرى فيها هي اليوم من ذلك التاريخ لكن حيث يعاد فتح جغرافية الحرب، نعرف أن الماضي ما هو إلا حلقات متصلة مع الحاضر، حتى لو اختلفت مراكز القوى التي تفرض تواجدها.
إن فارق المعرفة في السياسة وفي رسم استراتيجية تنفيذ الأهداف، يكمن في المرجعية لأن الجغرافية لا ترسم مصيرها من خلال إغلاق المسافة بين مجريات التاريخ في الماضي وما يقام اليوم من تحد يدفع بالقوى الكبرى نحو السيطرة والدخول في مواجهات.
في هذا الجانب قدمت الرؤية البريطانية منذ عقود تصورها حول إدارة صراع المواقع الجغرافية في عدن وخليج عدن وحتى نحو تلك الامتدادات بحراً وبراً وحتى جواً حسب تطور السلاح والذي دائماً ما هو في خدمة السياسة. فلا سياسة بدون سلاح ولا سلاح دون سياسة.
هذا ما تدركه كل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في مايدور من تحديات في المنطقة.
وكما يمنح السلاح للسياسة خطوات متقدمة نحو وضع الحوار في مرمى فرض سلطة الأمر الواقع، يمكن له جر أكثر الأطراف حماساً للحرب، إلى حالة الاستنزاف. إن هناك مستويات من التقارب في القوة العسكرية وتصبح مسألة الحسم العسكري جغرافياً ليست لها ركائز تحد من هذا التدمير الذي يلغي كل تصورات الانتصار على طرف محدد، لذلك تكون هذه الرؤية تذكر بما مر من هنا وما يجري اليوم.
المراجع
1ـ عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر 1839ـ 1918م
الدكتور: فاروق عثمان أباظة
الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ مصر 1976م
2ـ العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن إبان الحكم التركي
1914ـ 1919م
تأليف: جون بولدري
ترجمة وتقديم الدكتور: سيد مصطفى سالم 1982م
3ـ من وثائق وزارة الخارجية البريطانية ـ لندن
4ـ مجلة سبأ ـ العدد 6 أكتوبر 1992م
