في المناطق المحررة، لا ينبغي أن يتحول ملف الخدمات إلى ميدان للصراع السياسي أو المماحكات أو تنازع السلطة، حتى وإن حاول البعض دفعه إلى هذا الاتجاه. فالكهرباء والمياه والوقود والنقل والنظافة ليست مسؤولية محافظ بعينه، ولا وزير محدد وحده، بل مسؤولية سلطة مجتمعة، وحكومة كاملة، ومؤسسات دولة مطالبة بأن تعمل بروح واحدة وضمن الإمكانات المتاحة.
والخدمات ليست ملفًا فنيًا فقط، بل هي ملف اقتصادي ومعيشي مباشر؛ فكل خلل فيها ينعكس على كلفة الإنتاج، واستقرار الأسواق، وحركة التجارة، وقدرة القطاع الخاص على العمل، ومعيشة المواطن وثقته بالدولة.
هناك جهد حكومي حقيقي لتجاوز هذه الأزمات، قد لا يكون كافيًا بحجم المعاناة، وقد تصطدم نتائجه بظروف قاسية وإمكانات محدودة وتراكمات معقدة؛ لكن الفعل الصحيح يظل ملموسًا، والقرار الجاد يترك أثره، والحضور المسؤول في قلب المشكلة يمنح الناس قدرًا من الثقة بأن معاناتهم ليست متروكة بلا متابعة.
في المجتمعات المستقرة، قد يكون التنافس السياسي حول الخدمات جزءًا من الرقابة والمساءلة. أما في مجتمعات خارجة من حرب طويلة، وانقسام اقتصادي وإداري، وضغط معيشي قاسٍ، فإن تحويل الخدمات إلى ساحة اصطياد سياسي ينتج أثرًا عكسيًا لا يخدم المواطن، ولا يقوّي السياسة، ولا يحمي المجتمع.
هذا لا يعني تعطيل النقد أو إعفاء السلطة من واجبها، بل يعني أن النقد يجب أن يكون مسؤولًا، وأن المساءلة يجب أن تقود إلى تصحيح، لا إلى هدم الثقة العامة. فالفرق كبير بين كشف الخلل واستثماره، وبين المطالبة بالحل وتعميق الأزمة.
الخدمات حق للناس، وواجب على الدولة، واختبار لجدية السلطة ووعي المجتمع ومسؤولية القوى السياسية. وفي مثل ظروفنا، لا يحتاج المواطن إلى من يستثمر معاناته، بل إلى من يخففها؛ ولا يحتاج السوق إلى مزيد من الارتباك، بل إلى قدر أكبر من الاستقرار والثقة.
المسؤولية جماعية، والحل لا يصنعه فرد، ولا تحتكره جهة، ولا ينهض به خطاب غاضب وحده؛ بل تصنعه إرادة سياسية مسؤولة، وعمل مؤسسي متكامل، وتعاون صادق بين السلطات. فإدارة الخدمات في زمن الأزمات ليست معركة نفوذ، بل امتحان دولة ومجتمع، والكل مطالب بالنجاح فيه.
* نائب وزير الصناعة والتجارة
