في زمن الأوبئة والأزمات، بينما نحتفي بأبطال يرتدون الزي الأبيض، نكتشف مُفارقة تُذيب القلب: طبيب يُنقذ الأرواح بربع راتب جندي، وممرضة تُداوي الجروح براتب لا يضاهي علاوة شهرية لفئة مُدعومة. كيف وصلنا إلى هذه الحال، حيث يُكافَأ المنقذُ بأقل مما يُعطَى للمُدعَّم، ويُجزَى الحاملُ لمهنة الطب بأقل من حامل السلاح؟
إنها ليست مقارنة بين مهنتين شريفتين، بل هي صرخة في وجه نظامٍ يخلّ بموازين القيم الإنسانية والاجتماعية. فإذا كان راتب الطبيب أو الممرض ربع راتب الجندي في بعض الأجهزة المدعومة خارجياً، فماذا يقول هذا عن أولوياتنا؟ وكيف نرضى أن يكون شعارنا “الصحة أولاً” بينما نُعامل أبطالها كفئة ثانية؟
لقد ظل العاملون الصحيون يُقدمون في صمت، يعالجون المرضى وهم يحملون همّ علاج أولادهم، وينقذون الأرواح وهم يفكرون في كيفية إنقاذ قوت يومهم. وفي الوقت نفسه، نرى جهات أخرى - سواء كانت أمنية أو تعليمية - تحصل على سلل غذائية وحوافز مادية ومعنوية. فلماذا يُستثنى الطبيب والممرض والصيدلاني والفني من هذا ؟ أليسوا هم خط الدفاع الأول عندما تنتشر الأوبئة؟ أليسوا هم من يقفون على ثغرة الأمة الصحية؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الدولة - عبر شراكاتها الإقليمية مع دول شقيقة كالسعودية - تقدم دعماً لقطاعات حيوية، فلماذا لا يكون للقطاع الصحي نصيبه العادل من هذا الدعم؟ لماذا لا تُوجَّه برامج الرواتب بالريال السعودي والسلل الغذائية والحوافز الشهرية أو الموسمية نحو أولئك الذين يحرسون صحتنا بأجسادهم وأرواحهم؟ لماذا يُمنح المدرسون - ولا نقول إنهم لا يستحقون - دعماً مادياً ومعنوياً من المحافظة بينما يُترك الطبيب في دوامة الغلاء والهمّ المعيشي؟
إننا لا نطالب بانتقاص من دعم أي قطاع، بل نطالب بإنصاف من دأبنا على تسميتهم “ملائكة الرحمة”. إن الدعم الذي يحصل عليه الآخرون يجب أن يكون حافزاً لإعادة النظر في وضعية العامل الصحي، لا أن يكون مصدراً للمقارنة المُذلة. فإذا كانت تلك الأجهزة تُدعم لتحقيق الاستقرار الأمني، فالأطباء يحققون الاستقرار الصحي الذي هو أساس كل استقرار. وإذا كان المدرسون يُدعمون لبناء العقول، فالطبيب يُدعم لإنقاذ الأجساد التي تحمل تلك العقول.
إن معاناة العاملين الصحيين ليست شأناً مالياً فحسب، بل هي قضية كرامة وإنسانية. كيف نطمئن إلى طبيب يجري عملية جراحية دقيقة وهو يفكر في كيف يدفع إيجار منزله؟ أو كيف يوفر مصاريف عائلته؟
لقد حان الوقت لمراجعة جذرية لهذه السياسات. حان الوقت لأن تتحول الصيحات إلى قرارات، وأن تتحول المقارنات المُرة إلى معادلات عادلة. يجب أن يكون هناك تخصيص واضح للدعم - سواء المحلي أو الخارجي - للقطاع الصحي، على شكل:
1. سلل غذائية دورية تخفف العبء عن كاهلهم.
2. حوافز مالية شهرية أو فصلية تعادل ما يُقدم لغيرهم.
3. بدل مخاطر دائم، وليس فقط في فترات الأوبئة.
4. تأمين صحي شامل لهم ولأسرهم.
إن “ملائكة الرحمة” لا يطلبون منا أن نضعهم على مذابح التبجيل اللفظي، بل يطلبون اعترافاً مادياً ومعنوياً بقيمتهم. إنهم يستحقون أكثر من مجرد ثناء، يستحقون حياة كريمة تليق بتضحياتهم. فإذا كنا ندفع للجندي ليحمي حدودنا، فالطبيب يحمي حدود أجسادنا. وإذا كنا ندعم المعلم ليبني عقول أبنائنا، فالطبيب يحفظ حياة تلك العقول.
فليسعد من يُدعم من أشقائنا، ولكن ليُدعَم كل من يستحق. ولتكن نقطة البداية هي من يُمسكون برقاب الأزمات الصحية، ويلوذون بالمرضى عندما يلوذ الآخرون بالفرار. لأن إنصافهم ليس منّة، بل حق. ورفع رواتبهم وتحسين أوضاعهم ليس رفاهية، بل استثمار في صحتنا جميعاً.
فهل نسمع الصرخة قبل أن تتحول إلى كارثة؟!!!
