المذهبية الشيعية من قوة المواجهة إلى مأزق الانفجار الداخلي
بعض الأفكار والمذاهب تلعب أخطر الأدوار في تخدير عقول الجماهير عبر تحويل الأوهام إلى حقائق

- التربية العقائدية من أسلحة استراتيجية الحروب الطويلة وهنا يصبح التاريخ التراكمي لها ليس مجرد حدث بل قوة تدمير في الحاضر
- إيران تمر بمأزق التآكل الذاتي العامل على تشرذم الهيمنة المذهبية وهو حصاد سطوة القهر المذهبي

14 أكتوبر/ خاص :
نجمي عبدالمجيد :
تظل السياسة في إيران رهينة لهيمنة المذهبية الشيعية وإن خرجت عليها لبعض الوقت لكنها ترتد إليها لأن في هذا القلعة الحامية لهوية تاريخ وأمة.
لكن في ذات الأمر لا تتخذ الأمور نفس المسار في قوة الحفاظ على ركائز الدولة من خلال عمليات التكريس لواقع المذهب في الخطاب السياسي نحو الجماهير.
الصورة المفروضة وصاحبة اللون الواحد لابد لها من الانحدار نحو مزالق الانحرافات السياسية ومفارقاتها وتراكم الصراعات وحدة الأزمات في قلب المجتمع، ووصول خطاب المذهبية إلى مستوى الصفر في تحريك مشاعر الأمة، دائما ما يولد من نفس شعور القبول حدة الاندفاع في الرفض والتمرد.
هذا ما تمر به ايران في وقائع اليوم، لم تعد المذهبية سلاح التخدير للعامة، تحولت إلى ايديولوجية رفض صدامية ضد القداسة والمقدس، بل حالات هدم لقلعة التحصين التي عملت لعقود لحماية هيمنة السلطة المذهبية ليس في الشارع السياسي فقط بل في وعي الشعب، وفي تاريخ إيران ما يفرز من الحقائق العاملة على تحويل الصور في أكثر من اتجاه.
هنا لا تعني العودة لما جرى من أحداث ووقائع منذ عقود قريبة حالة ابتعاد عن تصدع اليوم، بل نظرة تربط بما آمنت به الجماهير ماضياً وتتمرد عليه حاضراً.
وفي هذه المسافة المتصلة ما بين القطب الأول والثاني، تطرح تساؤلات الواقع المأزوم، وما نوعية الانتقال عند الخروج عن سطوة المذهب إلى المشروع السياسي، وهل تسقط مسوخ الكهنوت الطائفي من هياكل ذلك الوعي القاهرة في العقلية التاريخية التي لا تقيم لفعل السياسة من قدر إلا متى ما كانت قبضتها صاحبة القيادة في الرأي.
في قضايا الصراع بين رجال الدين والسلطة في ايران تطرح أمور كانت وسائل تحريض من أجل غاية، ثم اصبحت رهينة للعبة سطوة الحكم. وفي هذا جاء في الخطاب المذهبي ـ الشيعي ما يلي: (ان جوهر الاسلام ثورة، وانه لا يوجد اسلام بغير ثورة، فالاسلام هو دين المجاهدين الذين يريدون الحق والعدل، دين الذين يطالبون بالحرية والاستقلال والذين يريدون الا يجعلوا للكافرين على المؤمنين سبيلا، وهو يرى ان الاسلام يرفض النظام الملكي من أساسه، ومن ثم يلفت الانظار إلى الاثم الذي يقع فيه المسلمون عندما لا يرفضون الحياة في مجتمعات يحكمها ملوك، وهو يقرر ان لا سبيل امام المسلم حقاً إلا طريق التمرد والثورة وشن الحرب على النظم الجائرة، واقامة العدل الاسلامي بالثورة ضد الطغاة، ففي ظل حكم فرعوني يتحكم في المجتمع ويفسده ولا يصلحه، لا يستطيع مؤمن يتقي الله ان يعيش ملتزماً ومحتفظاً بإيمانه وهديه، وامامه سبيلان لا ثالث لهما: اما يقسر على ارتكاب اعمال مردية أو يتمرد على حكم الطاغوت ويحاربه ويحاول ازالته، أو يقلل من آثاره على الأقل، ولا سبيل لنا ـ وفقاً للخميني ـ إلا الثاني، لاسبيل لنا إلا ان نعمل على هدم الأنظمة الفاسدة المفسدة، وتحطيم زمر الخائنين والجائرين من حكام الشعوب، هذا واجب يكلف به المسلمون جميعاً اينما كانوا من اجل خلق ثورة سياسية اسلامية ظافرة منتصرة.
والخميني يذكر المسلمين عامة، والشيعة خاصة، بمأثورات الائمة التي تجعل الثورة على الظلم أولى مهام المسلم في هذه الحياة، وهو يعلن بوضوح شديد: اننا لا نخاف من شيء ان النبي صلى الله عليه وسلم هزم في بعض الغزوات، اننا نحارب بسيف الله وستستمر الحركة).
هنا يؤكد خطاب الايديولوجية المذهبية على ان قوة الصدام في المقدس لا تكون إلا عبر العنف.
لم يكن من سبيل لقلب نظام الشاه إلا عبر تحويل العقيدة إلى سلاح في الميدان.
هذا الوعي في افراز القوة الدينية له من ترسبات الماضي ما يزرع في الراهن كل عوامل الهدم، لكنها لم تدرك ان مسار التاريخ لا يقف عند نقاط محددة من المواجهات بل يرتد ضد من اطلقه في لحظة من أزمة التاريخ مع الواقع.
يحدث هنا الانعكاس، وهذا ما يجري اليوم في ايران، ما كان في الأمس ضد الشاه، الراهن يقلب الحسابات نحو منعطف آخر.
هذا يؤكد ان تمرد الشارع يمارس نفس ما قدمته الثورة الدينية في السابق ، هدم الحاضر باسلوب الماضي.
المسافة الفاصلة بين عهد الشاه وحكم المذهب لم تعد تذكر بالخطاب الديني الذي افرغ من كل محتوى، بل وصل إلى حد الرفض الكامل له؛ لأنه عجز عن تحويل الحلم إلى حقيقة.
ولم تكن كل التضحيات التي قدمها الشعب في سبيل صيانة المذهب سوى خديعة كبرى كي تظل مركزية رجال الدين القوى المحركة لمفاصل المجتمع الايراني. لكن هناك حقوق المواطنة في مختلف المجالات والتي عجز النظام عن تقديمها، وهي الركائز التي لعب عليها قادة الثورة الايرانية حتى سقط نظام الشاه، لتعود القضايا إلى نفس الدائرة المغلقة.
ان الحرائق المتصاعدة اليوم في ايران من الشوارع الخلفية، عادت بكل حدة ضد عقود من الوهم المذهبي، سلطة لم تسوق غير الطاعة العمياء وانتاج السلاح، وهنا يصبح الربط بين الحرب والعقيدة من مقدسات الحسم، بل الحضور الفاعل في صناعة التواجد ليس عند جغرافية الحدود الذاتية، بل كما جاء في الخطاب المذهبي، ثورة حول العالم.
دعوة مثل هذه لابد من رفقة المال والسلاح إلى جانبها، وهما من يصنعان الرجال، القوى الضاربة والاذرع الواصلة إلى كل هدف.
لقد ادركت ثورة ايران منذ بدايتها حضور التشيع في المنطقة، وعمليات التسلل إلى عمق المجتمعات المنتظرة لكلمة ولاية الفقي، وان المجتمع الحاوي على جماعات من هذه الطوائف هو مفتاح التفجير؛ لان الولاء ينقلب هنا من الوطن إلى المذهب.
لكن هناك سؤالاً غفلت عنه ولاية الفقي هو كم تكون كلفة هذا الخراب في المجتمع؟
ان القتل والدم وزراعة الموت لا تصنع انتصارا دائما.
بل التصورات القاصرة لا تصل إلى الأهداف في المسافات الطويلة.
وزراعة حقول الالغام لا تقف عن مساحات العدو.
في محور آخر من هذا الاتجاه تطرح هذه الرؤية: ( كان للزعامة الدينية، ولا يزال، دورها المؤثر في قضايا الاحياء الإسلامي، بل في كافة قضايا المجتمع الإيراني. ولقد ساعد في تبوؤ المعارضة الدينية لزعامة الجماهير بإيران على عكس بلدان كثيرة في العالم الإسلامي عوامل عدة تأتي طبيعة المذهب الشيعي، وخصوصيته كمذهب ظل طوال التاريخ الإسلامي في جانب المعارضة السياسية للحكام، في المقدمة، يعقبها ضعف البدائل العلمانية من قيادة حركة الجماهير المسلمة، فحزب تودة تعرض لضربات شديدة أفقدته معظم قوته، ابتداءً من 1953م عندما القي القبض على ثلاثة آلاف من اعضائه، وفي عام 1954م كشفت شبكته في الجيش ذات 500 ضابط، ومروراً بعام 1963م عندما أدت الاوضاع إلى تحويل المعارضة الدينية إلى قوة سياسية مستقلة، ومع الثورة الأخيرة للمعارضة ضد ديكتاتورية الشاه وضع الزعماء الدينيون، وخاصة الخميني، الذي كان أكثر اتساقاً في معارضته للشاه، على رأس الحركة الجماهيرية ولم يكن أمام الجماهير الإيرانية اي بديل للتطبيق سواه، واثبت الخميني ـ فيما يتعلق بالمهمة الأساسية للثورة في لحظات تصاعدها، أي مهمة الإطاحة بنظام الشاه، أنه أكثر راديكالية من اية قوة أخرى).
القاعدة الجماهيرية قد تصل في بعض الاحوال إلى مفترق واحد تقف عنده ولا ترى غيره من سبيل في الحل.
وحين يكون الدين هو ذلك الحد، تصبح مسألة تجاوزه من المحرمات حتى لو دخل في نظرية الغاية تبرر الوسيلة.
لكن هنا علينا أن لا نغفل قضية المذهب، وهو ما تأصل في الفكر والوجدان عند عدة فرق وطوائف في الإسلام إلى درجة تحوله إلى دين داخل الدين. تلك هي ركيزة صادمة، بحيث أن اتباع هذا المذهب لن يكونوا من اتباع مذهب أو طائفة أخرى حتى لو هي من أمة الدين الواحد.
هنا تكمن قوة التشيع في روحانية الشعب في إيران، هذه القوة هي من يطرح حسابات السياسة، بل هي استراتيجية العمل الميداني في شحن الجماهير نحو هدم سلطة الحاكم.
تلك القوى عملت عبر مراحل في الشارع السياسي على خلخلة كل محاولات حكم الشاه في فرض السيطرة، وكان لخروج الجماهير من الشوارع الخلفية شحنات الانفجار المدمر الذي لم تقهره قوة السلاح في القمع.
وهذا ما يجري في الراهن. ولكن لم تعد خطابات رجال الدين الفعل الحاكم في النفس؛ لأن الوهم الديني تصدعت أركانه، فلم تطرح سلطة رجال المذهب بديلاً عن حكم الشاه سوى دولة الإرهاب والجرائم بكل أشكالها، واصبح المذهب قوة قمع وقهر طبقي بيد من يحكمون، وكأن الخروج على شاه إيران في الماضي، أعاد في الحاضر دورة حركة التاريخ إلى نفس دائرة المواجهة مع قوى الصراع ضد الهيمنة.
كيف عادت نيران الشوارع الخلفية من جديد إلى المشهد؟؟.
في مجتمعات ما زالت السلطة والسياسة تمارسان عبر فرض القوة.. نسقط من حسابات الوعي هذا السؤال: ماذا بعد؟
لأن الوقائع والمجريات مهما بلغت في التمكين في الاستحواذ، لن تكون هي الخط الفاصل دون بدائل قادمة.
من الاطروحات التي سوقت فكريا كجزء من عملية إعادة صياغة الوعي الديني عند العامة، نرى في هذه الكلمات التي لعبت دور المحرض عند نقاط التصادم بين النظام الملكي وحركة الشارع الإيراني في ذلك الحين الذي خدر بشعارات حلم الخلاص ومما طرح هنا: ( بالنسبة لضرورة الثورة السياسية كأسلوب ثان من أجل تشكيل الحكومة الإسلامية يرى أن الشرع والعقل يفرضان علينا ألا نترك الحكومات وشأنها، والدلائل على ذلك واضحة، فإن تمادي هذه الحكومات في غيها يعني تعطيل نظام الإسلام وأحكامه، في حين توجد نصوص كثيرة تصف كل نظام غير إسلامي بأنه شرك، والحاكم أو السلطة فيه طاغوت، ونحن مسؤولون عن إزالة آثار الشرك من مجتمعنا المسلم، وهو يرى أن المقاومة على المدى الطويل كأسلوب ثالث هي تساهم ولو بعد 200 عام في الوصول إلى الهدف، فنحن لا نتوقع أن تؤتي تعليماتنا وجهودنا أكلها في زمن قصير؛ لأن ترسيخ دعائم الحكومة الإسلامية يحتاج إلى وقت طويل وجهود مضنية ونحن نرى كثيرا من العقلاء يضعون حجرا ليبني عليه الآخرون بناء بعد 200عام).
هذا الطرح يدل على مأزق نفسه في الحاضر، فلم تفرز الحقب سوى تصادم هذه الشعارات مع واقع لم تعمل فيه الثورة الإسلامية إلا على تضخيم الوهم. لذلك، طوفان الشارع الإيراني ضد سلطة الوهم المذهبي جاء من نفس ما تم تسويقه ضد حكم الشاه مع اختلاف الحقب. إن الافلاس في المعتقد يدل على أن صناعة الوعي الزائف عند الجماهير لن يكون دائم الاستمرارية، فهو من انتج الخلايا السرطانية في الفهم، وإن تحرك في المجتمع لا ينشر إلا الامراض الفاتكة في النفس والجسد، بل تنقلب إلى قوى قاهرة ضد من جعل منها حصان السباق نحو الوصول إلى قلعة الحكم. التخدير العقائدي دائما ما يصل إلى مراحل الإفلاس وهي نقطة انعطاف يكون الثمن فيها المزيد من صدام الاطراف وفوضى الدم والقهر .
إيران في الراهن ما هي إلا صورة لما سوف يضرب دولاً ومجتمعات تسلحت بمذاهب عملت على صنع سياسية دول.
لكن السؤال الاهم في هذه المجريات هل تكون إيران هي الأولى في هذا الاستهداف أم هناك دول في المنطقة تصبح أهدافا قادمة في إطار مشروع إسقاط دولة المذهب الديني؟؟
بعض مما يحدث يقود المسائل نحو هذا الطرح؛ لأن الجغرافيا تؤكد ان مسارات الحدود المشتعلة لن تعود واضحة المعالم.
في الصراعات الكبرى ومنها ما يتفجر في المنطقة، كل طرف يعمل على ضرب مصالح الطرف الآخر. وبهذا بقاء منطق التصعيد والحرب في تسيد المشهد السياسي.
أما الحلول فتبقى عند مستويات العجز؛ لأن الواقع التاريخي يعيد دورة الصراع إلى نقطة البداية، وكأن الزمن يعكس معالم الأزمة.
المراجع:
الحركات الإسلامية في مصر وإيران
الدكتور : رفعت سيد أحمد
الناشر: سينا للنشر
الطبعة الأولى 1989م

