ضعف المواصلات.. العائق الأكبر أمام طالبات التعليم الجامعي في نشطون
استطلاع/ روان السليمي :بدأت تجربة التعليم الجامعي لطالبات نشطون مع التحاق أول دفعة جامعية من المنطقة عام 2010 ، في ظل ظروف صعبة اتسمت بغياب وسيلة نقل مستقرة وبُعد المنطقة عن الجامعة، ما جعل من الوصول إلى مقاعد الدراسة تحديًا يوميًا.بداية صعبةالتعليم الجامعي سلسلة حياتية تعليمية ماتعة تخللتها العديد من العوائق والصعوبات، هكذا وصفته صفية عيسى-خريجة بكالوريوس لغة عربية 2014 ،


وتستعيد تجربتها قائلةً: «بدأت بفكرة يصولها التردد، وواجهتنا تحديات وعراقيل وانكسارات، إلا أننا من أولى خطواتنا أشعلنا شرارة الإصرار، فتعايشنا مع الوضع دون أن نكل أو نمل، وقلنا إننا حتمًا سنصل . »
عبء على الطلابارتبطت صعوبة البدايات بعدم وجود وسيلة نقل منتظمة، إذ كانت الطالبات يتكفلن بدفع أجرة المواصلات في البداية، مع دعم وتشجيع الأهالي الذين كانوا يتناوبون على توصيلهن بسياراتهم في الأيام التي لا يجدن فيهاالمواصلات، ومع ذلك لم يكن هذا كافيًا، فقد يضطررن إلى التغيب في بعض الأيام، وتفويت العديد من المحاضرات المهمة، وبالتالي يتأثر مستواهن التعليمي.لاحقًا، تكفلت السلطة المحلية بتخصيص باص، تقول حنان بشير -خريجة بكالوريوس لغة عربية « - 2014 في السنة الرابعة تكفلت السلطة المحلية بتخصيص الباص لنا، ومن يومها انتظمت المواصلات ولم نضطر إلى الغياب بعدها . »وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والأزمات في البلاد ينال الطلاب نصيبهم منها، حيث تتأخر صرف مستحقات الباص فتتوقف الباصات، حتى يضطر الطلاب دفع الأجرة بأنفسهم، وبهذا تقول سعدية أحمد- طالبة في تخصص الحاسوب مستوى ثالث «في بداية عامنا الماضي لم يستلم سائقنا مرتباته فاضطررنا أن ندفع له نحن حتى يستمر في نقلنا .»

وفي العام الماضي، برزت الحاجة إلى باص إضافي أو أكبر ليسع الجميع، وذلك حسب ما أوضحته شمس عمر-طالبة شريعة وقانون سنة ثانية «مع زيادة عدد الطلاب لم تعد سعة الباص الأول تكفي فقمنا بتقديم طلب لمن يرفعه للسلطة المحلية »، وتدخل هنا وجهاء وشيوخ المنطقة لتقديم الدعم، ووضعوا حلولً مؤقتة إلى أن تستجيب السلطة المحلية.
فقراء الوقتحتى مع توفر المواصلات المنتظمة لا تزال هناك عقبة تعترض طالبات نشطون، والتي تتمثل في ضيق الوقت وبعد المسافة بين نشطون ومقر الجامعة في الغيضة، التي تبلغ حوالي 54 كيلو مترا، حيث يستغرق الطريق ساعتين ذهابًا وإيابًا. هذا البعد يفرض على الطالبات الذهاب في ساعات مبكرة من الصباح والعودة عرًا، مما ينعكس على طاقتهن البدنية والنفسية، وقدرتهن على التركيز والتحصيل الدراسي. «تصل الطالبة إلى البيت مرهقة متعبة عليها تكاليف وواجبات والأسوأ وقت الاختبارات، حتى وإن أكملت دوامها بدري تضطر للانتظار حتى تكمل بقية الطالبات »، هكذا وصفت حنان بشير حالها وحال زميلاتها.
من جانبها، تؤكد نور سعد-خريجة بكالوريوس لغة عربية 2018 وطالبة ماجستير حاليًا- إنها لهذا السبب اضطرت في فترة من فترات دراستها إلى السكن عند أحد معارفها في الغيضة.
السكن الجامعييعد السكن الجامعي خيارًا أمثل لتخفيف عناء التنقل اليومي بين نشطون والغيضة، خاصة للطلاب الذكور الذين يجدونه وسيلة لتوفير الوقت والجهد، أما الطالبات فالوضع أكر تعقيدًا، إذا لا يوجد سكن جامعي مخصص للفتيات في جامعة المهرة، مما يجعل من خيار السكن شبه مستحيل في الوقت الحالي.ومع ذلك ترى بعض الطالبات أنه لو توفر سكن آمن منظم وتحت رعاية وإشراف رسمي، فإن لديهن الاستعداد للسكن فيه، كما تقول شمس عمر «أفضل السكن لأتخلص من تعب الطريق » مؤكدةً أن هذا الخيار سيخفف من الإجهاد اليومي، مما يحسن من أدائها الدراسي. بينما ترى أخريات أن مسافة الطريق يتعودن عليها ويتأقلمن مع الوضع خلال سنوات الدراسة، مما يجعلهن يرفضن فكرة السكن؛ تجنبًا لشعور الاغتراب والبعد عن الأهل داخل الوطن، أو كما تصفها البعض «غربة بلا اغتراب .»
ولا شك أن الاعتبارات المجتمعية أيضًا قد تحد من إمكانية قبول فكرة السكن الجامعي للفتيات، فتقبل بعض الأسر الانتقال إلى السكن بينما ترفضه أسر أخرى، ما يجعل هذا الخيار غير مقبول كليًا، رغم أن وجوده سيكون وسيلة فعالة لتخفيف عناء التنقل اليومي لكثير من الطالبات.
عزيمة وإصراروبعزيمة وإصرار لا يلين تمكنت الطالبات من خوض هذه التحديات والظفر بمرادهن، فها هنَّ بالأمس أول دفعة جامعية من أبناء نشطون واليوم أبرز أعضاء الكادر التعليمي في مدرسة الدمام، تخرج على يده كوكبة من الطلاب المتميزين.

وتؤكد أنهار حسن-خريجة بكالوريوس لغة إنجليزية 2014 - أن الجهود لم تذهب سدىً، قائلةً «المسافة البعيدة والظروف الصعبة، والإنهاك الجسدي والنفسي لم يمنعنا من إكمال دراستنا وبتفوق، بفضل الله نحن اليوم نفيد أخوتنا وأبناءنا ونخدم منطقتنا ،» مشيرةً إلى أن تجربتهن كانت المفتاح الذي مهد الطريق أمام دفعات لاحقة.
للمعاناة جانب آخروبالنظر للموضوع من زاوية أخرى ، نرى أن المعاناة لا تقتصر على الطلاب الجامعيين فقط، بل تمتد أيضًا إلى طلاب الثانوية الذين يرغبون في دخول القسم العلمي؛ نظرًا لغياب القسم العلمي في نشطون، ما يضطر الراغبين فيه إلى الانتقال إلى إحدى ثانويات الغيضة ورغم صعوبة الوضع ومشقته، إلا أن هناك من يضع هدفه نصب عينيه ويفند الصعب لأجله.عبير عبدالله وشقيقتها عفاف خريجتا ثانوية الدرعية 2025 - حولن من مدرسة الدمام بنشطون إلى مدرسة الدرعية بالغيضة، وتقول عفاف «كنا نتحمل الكثير من التعب وأجرة المواصلات » ، موضحةً أنه رغم وجود باص الجامعة الممول من السلطة المحلية، إلا أن الدوام المدرسي كان يبدأ قبل الجامعات بشهر تقريبًا، فتقول عبير «نتحمل هذا الشهر مواصلاتنا من وإلى نشطون، وقد تصل مصاريف السيارة من 25,000 إلى 30,000
يوميًا، حتى يبدأ الدوام الجامعي فنذهب مع الباص الممول ».. مشيرةً إلى أن دوامهن في المدرسة مرتبط بالدوام الجامعي، فأي تأخير أو غياب لأي سبب في الجامعة يؤثر على مباشرة على انتظامهن في المدرسة.
الحلول والدعماستمر الدعم منذ البداية من أهالي الطلاب والشخصيات الداعمة، كما استذكرت صفية عيسى مساهمة المرحوم سعد سالم الذي استضاف الطالبات في بيته بالغيضة في السنوات الأولى، والمرحوم طارق رعفيت، ودعم السلطة المحلية بدءًا من المرحوم علي خودم وصولً إلى اليوم مع ابن ياسر، مثمنةً هذا الدعم باعتباره سببًا في استمرارهن.كما تدخل لاحقًا منتدى شباب نشطون الاجتماعي بحلول عملية، حيث أفاد الأمين العام للمنتدى حسني مبارك السليمي، بأن المنتدى اجتمع في 2020 مع مدير عام شركة النفط محسن بلحاف لدعم نقل الطلاب،حيث تم صرف 200 لتر بترول شهريًا للباص المكلف بنقل الطالبات، إذ أن المبلغ المخصص من السلطة المحلية لم يعد كافيًا، كما تكفل المنتدى على مدى 4 سنوات بتكاليف نقل طاب الثانوية العامة أثناء الاختبارات الوزارية في الغيضة.
وأوضح أنه تم مناقشة الموضوع مع السلطة المحلية لتوفير باص سعة 25 راكبًا، ومؤخرًا استجابت السلطة المحلية بمحافظة المهرة للطلب ووفرت الباص عبر فرع شركة النفط.
في الأخيرتعكس تجربة طالبات نشطون حجم التحديات التي يفرضها ضعف خدمات المواصلات على التعليم الجامعي في المناطق البعيدة ، وما يترتب عليها من أعباء نفسية ومادية. وفي ظل تضافر الجهود المجتمعية والرسمية المتفاوتة تبرز الحاجة إلى حلول مستدامة تضمن انتظام نقل الطلاب، بحيث يحصل الجميع على فرصة متساوية لاستكمال تعليمهم والوصول إلى مقاعد الدراسة دون أية معوقات.

